
عطبرة .. حكايات الحي القديم
حكايات الحي القديم
بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي
في مدينة الحديد والنور، في حيِّنا العريق “المربعات شرق”، كان صديقنا الملقب بـ”التَّسَمَه” مهووساً بالروايات. لا تفارق يده كتاباً، ولا تمل عيناه سطور الحكايات. ولم يكن وحده في هذا العالم المسحور، بل شاركه الهوس صديق من عطبرة، كانت بينهما معارك طريفة حول من قرأ أكثر.
في إحدى أمسيات عطبرة المقمرة، جلسا في ظل شجرة النيم العجوز،
وحولهما ثلة من الصبيان، يتناوشان عناوين الروايات كما يتناوش فرسان الأدب سيوف الكلمات.
“هل قرأت قصة مدينتين لديكِنز؟” سأل الصديق متحدياً.
“نعم،” أجاب التَّسَمَه بفخر.
“وماذا عن أحدب نوتردام لهوغو؟”
“بالطبع.”
“الحرب والسلام لليو تولستوي؟”
“قرأته حرفاً حرفاً.”
“ذهب مع الريح لمارغريت ميتشل؟”
“قرأته وشاهدته فيلماً في السينما الجمهورية.”
“طيب، الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي؟”
“قرأته زماااان…”
استمر السجال بينهما، اسم رواية تلو الأخرى، حتى ضاق صدر الصديق بموسوعة التَّسَمَه المتحركة، فقطّب حاجبيه وقال بخبث:
“هل قرأت القندس في بلاد الكرندس لشافيز هندس؟”
توقف التَّسَمَه لحظة، رمقه بنظرة ساخرة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة المنتصر:
“وهل قرأت الحب المتعوس لفلبس مُرقُص مَحروس؟”
ضحك الصديق قائلاً: “لا، قرأت الطب المدروس لفلبس مرقص محروس!”
انفجر الصديقان بالضحك. لم يكن “فلبس مرقص محروس” مجرد اسم من وحي اللحظة، بل كان طبيباً حقيقياً حاذقاً من أقباط عطبرة، طبيباً عمومياً، لكنه برع في جميع التخصصات، لا سيما طب الأطفال. كان يستقبل الصغار بابتسامة عريضة، يمد لهم قطع الحلوى في بداية زيارتهم، يعاملهم بلطف وأيدٍ حانية، ويتذكّرهم حتى بعد سنوات.
كنتُ في الثالثة من عمري عندما حملني أهلي إليه وأنا مريض، فاستقبلني بلطف ودوّن حالتي في كرت أخضر. وبعد أربعة أعوام، مرضتُ من جديد، وحين دخلتُ عيادته، تفاجأتُ به يتذكّرني، وكأنني قابلته بالأمس، مدّ يده نحو أرفف خشبية خلفه، وأخرج الكرت الخاص بي وكأنه يقرأ سجل ذكرياتنا المشتركة.
لم يكن فلبس الوحيد الذي ترك أثراً في الوجدان العطبراوي، فقد كان لأقباط عطبرة وجود نابض بالحياة في شتى مناحيها. في إحدى المرات، دخل صبي صغير إلى بقالة “الطير الأبيض”، التي كان يملكها صمويل جرجيوس، وقال له بحماس:
“يا عم الطير الأبيض، ما عندك ميرندا؟!”
كان الصبي يظن أن اسم الرجل هو “الطير الأبيض”، فناداه بذلك بكل براءة، فضحك صمويل طويلاً، مردداً وهو يناوله الزجاجة الباردة: “خذ يا ولد، وقل لأمك الطير الأبيض عنده كل حاجة.”
كانت بقالة الطير الأبيض في قلب سوق عطبرة الكبير، أشبه بسوبر ماركت مصغر تزدحم فيه الأصناف المختلفة، حيث تختلط روائح الأجبان والمِش والزيتون والسجق المتبل والبسطرمة والمخللات، روائح محببة تشكل نسيجاً من الذكريات العابقة.
وهكذا، كانت الحياة العطبراوية، مزيجاً من الحكايات والذكريات التي لا تُنسى، تختلط بالمواقف، والأسماء، والمفارقات، وتبقى كل لحظة نُقشت في الذاكرة التي تحفظ القليل عن مدينة عظيمة اسمها عطبرة.