شرف الكلام .. وحدة عربية عامرة وعاجلة .. هذا أو الطوفان..!!

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

شرف الكلام

وحدة عربية عامرة وعاجلة .. هذا أو الطوفان..!!

 

مدخل:
(ظل السنة والشيعة زماناً طويلاً يتقاتلون حول نواقض الوضوء فسرق عدوهم الإناء).

1

قال لي أحد الإخوة مُباغِتاً: إني أعلم أنك صحفي لك رأيٌ ناقد في سياسات إيران وبعض سياسات دول الخليج، فهل تغير رأيك الآن بعد هذه النكبة التي يمر بها العالم العربي والإسلامي، حيث تعيش كل عواصمنا العربية والإسلامية تحت صفيح ساخن؟.
قلت له: ليس هذا هو زمان الاستفاضة في القول والتزيد في العبارات، إنه زمان الإيجاز لأن الحزن لم يترك للتعبير مساحة أو نصيب.
أنقل عني أني مع إيران قلباً وقالباً حتى تُذل أمريكا وحتى يتواضع الصهاينة بصخب الصواريخ واتخاذ الجحور مساكن، وحتى تنتصر إيران في شمم أو تُهزم في كبرياء. وبعد أن تضع الحرب أوزارها فإن لنا حديثاً هو أَدخل في النقد الذاتي، ولكن في زمان الصِعاب لا يؤذن بالعقاب ولا بالعتاب.
أما رأيي في دول الخليج فأنا ضدها حتى تغسل عن أرضها الطيبة دنس القواعد الأمريكية وتطرد هؤلاء العُلُوج والحاقدين، نعم إنها من باب الضدية الحميدة حتى تُعلن الوحدة العاجلة والشاملة لسيادة (جيلٍ واحد وجيشٍ واحد وجيبٍ واحد).

2

وبالرغم من الانتقاد المُرّ الذي يمكن أن ينتاش طهران وجاراتها العربيات، إلا أن فضائلهم تضعني في موقع عبدالملك بن مروان وتضعهم في موقف مصعب بن الزبير، فحين سُئل عبدالملك عن خصمه العنيد وصديقه القديم ابن الزبير الذي قاتله حتى قُتل، وحين نقلوا إليه خبر انتصار جيوشه عليه وقتله بكى في مجلسه بكاءً مُراً وقال لخاصته الذين حوله: أتعرفون من هو أشجع العرب؟ فعددوا له شبيب وقطري بن الفجاءة وعنترة بن شداد العبسي وآخرين، وردوا عليه: أنت يا أمير المؤمنين أشجع العرب. فقال لهم: دعكم عن التزلف. فقالوا له متسائلين ومنتظرين على أحر من الجمر: فمن هو أشجع العرب يا أمير المؤمنين؟
فقال: مصعب بن الزبير، هذا الفتى الذي مُنح مُتع الدنيا ومحاسنها، فقد كان وسيماً جميلاً، وقالوا عنه: إنه كان من أبهى الناس وأجمل من في أرض العرب، وفوق ذلك فقد نال من النساء أفضلهنَّ وأجملهنَّ؛ كانت تحته سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وأميمة بنت الحميد بنت عبد الله بن عامر، ورباب بنت أنيف سيد ضاحية العرب، وكان مصعب أكثر أهل الأرض مالاً وثراء، ونال شرف الولاية في أكثر أمصار العرب رخاء واتساعاً، فأصاب ألف ألف، وألف ألف، وألف ألف، وكان على كثرة ماله زاهداً وعابداً وعارفاً بمزالق الدنيا فاجتنبها.
وعندما عاديت شقيقه عبدالله بن الزبير منيته بإمارة العراقين والشام، وكان يعلم أني سأفعل، ولكنه تأبى في شمم ومشى بسيفه حتى وقع مضرجراً بدمائه، لم يسقط من يده لا السيف ولا اللواء. ثم بكى عبدالملك طويلاً حتى خاف عليه أهل مجلسه، فلما أزاحوا عنه حزنه قال: (هذا أشجع العرب).
ليس غريباً أن تنال الثناء والمديح من الذي تجمعك به فِكرة أو مصلحة أو دم، ولكن أن تجود بالمدح والاعتراف بفضائل الخصوم فإن هذا من الخلق الوعر والسجايا العصيات على الدنايا، فلو أدركنا في أزمتنا هذه فضائل بعضنا البعض وأبعدنا الأجنبي لما انقسمنا إلى سنة وشيعة ونحن أمة واحدة، وبين يدينا كتابٌ عاصم ورسول هادٍ وبشارةٌ تصدح ليل نهار بالتوحيد والوحدة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
ولو كنا على مثل هذا المنهج القويم لما ارتضينا قسمة سايكس بيكو القديمة ولا الجديدة التي تُصاغ الآن تحت النار، فقد صرنا قبل المؤامرة الجديدة أقطاراً مُقطعة، بعض مساحاتها تدعو للتندر والشفقة، بتمزق جعل الاستعانة بجيوش الصليبيين والصهاينة فريضة ندفع فيها أموالنا وشرفنا وعقيدتنا في مذلة ومهانة، جعلت الثقاة من أهل الفكرة يتندرون علينا ليل نهار: كيف جاز لهذه الأمة التي خوطِبت بآية {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}.

3

كيف جاز لهذه الأمة الشاهدة التي يتجاوز تعدادها أكثر من ملياري مسلم أن يهزمها 6 مليون صهيوني جاؤوا من الشتات، لا برنامج لهم إلا بُغضنا ودمار ماضينا المُشرق وحاضرِنا الذي لو أعدنا ترتيبه بالحد الأدنى لملأنا الأرض عدلاً مثلما مُلئت جوراً.
كيف لا تضربنا أمريكا وإسرائيل ليل نهار إذا كانت خريطة الانهيار من طنجة إلى كاجرتا مشبوحة على مسماري السقوط والجهالة:
1/ طائرات العدو الصليبي الصهيوني تُمزِق الأرواح والأجساد والأجداث وتدك إيران المسلمة نساءً وأطفالاً وبنية تحتية: جامعات ومراكز بحث واغتيال للعلماء على مدار الساعة، وألف طلعة من جحيم القنابل تزلزل بِحممها هذه الأرض الطيبة وهذا الشعب الصابر دون أن تمنحه دقيقة واحدة للراحة أو حتى لاسترداد الأنفاس.
2/ كيف تدعون أنكم أمة راشدة وأنتم تغدرون بالسودان قتلاً وسلباً وتدميراً واغتصاباً بأموالكم ومرتزقتكم وأحقادكم التي لا يجد لها حكيمٌ أو راشدٌ سبباً أو حجة.
3/ تأملوا للذي يحدث الآن في ليبيا من قتل وخِلاف وتمزق في أرض فيها كل شيء موفور إلا نعمة الحكمة.
4/ تأملوا للذي يحدث الآن في لبنان، وما أدراك ما لبنان، القتل خارج الإحصاء والتدمير الممنهج من طائرات العدو، لم يترك شجراً ولا حجراً إلا ناله.
5/ أما سوريا فقد دُمرت بالكامل، لم يترك فيها العدو الصهيوني قطعة كلاشنكوف واحدة ليحرس الدَرَك بها حارة في دمشق القديمة، وهي الآن بصدد التقسيم والموالاة للصهاينة: أرض للدروز وأرض للأكراد وأرض للعلويين وأرض للمسيحيين، أما الجولان فقد اقتُطعت بلا رجعة وأصبحت رسماً في فسيفساء لوحة الحلم الصهيوني الجديد.
6/ أما العراق الذي دُمر بأكذوبة أسلحة الدمار الشامل وقُتل فيه أكثر من مليوني مواطن ونُهبت ثرواته ونِفطه وتاريخه، ما زال المسكين يمد يده مستجدياً واشنطن لتمنحه ثمن الخبز من ماله الخاص وبعض الحرية، يستجدي منها الشرعية بأنها تجاسرت قائلة بلا حياء: (إن الرئيس هو الذي تختاره الدولة الخفية في أمريكا لا الذي تختاره صناديق الاقتراع الواضحة أمام الجميع في بغداد).
7/ أما إمارات الخليج وممالكها فيكفيها أنها اختارت لنفسها أن تصبح مثل مقاطعات الأندلس قبل السقوط وجنود إيزابيلا على الأبواب، وهي تسعى للاستعانة بسيف الصليب القديم، وقد اختارت أن ترعى خنازير ألفونسو بدلاً من أن ترعى إبل يوسف بن تاشفين.
ومِمَّا يُزَهِّدُني في أَرْضِ أَنْدَلُسٍ
أسماءُ مُعْتَمِدٍ فيها وَمُعْتَضِدِ
أَلْقابُ مَمْلَكَةٍ في غَيْرِ مَوْضِعِها
كالْهِرِّ يَحْكي انْتِفاخاً صَوْلَةَ
(وما أشبه الليلة بالبارحة)
8/ أما المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا فقد اختاروا أن لا يتحدوا، لأن الخوف عند نُخبهم وحُكامهم أفضل من الطمأنينة، ولأن باريس عندهم أشرف من الرباط وفاس ونواكشوط والقيروان. إنه المغرب العربي الذي ظل يبحث منذ مئة عام عن أملٍ واحد وألمٍ واحد وعَلَمٍ واحد ولا يجدها، وهي تحت قدميه، والعالم الآن على حافة نهاية التاريخ.
9/ أما الصومال الذي أهملناه فقد حمى حُجاجه يوماً شرف مكة والمدينة من حملة الصليبيين وهم بملابس الإحرام. نعم أهملناه وجعلناه فريسة ما بين إثيوبيا الطامعة وكينيا المُتربِصة وإسرائيل التي نزلت فيه بمخالب صقر جائع اعترافاً منها بدولة جديدة، وأعينها تُحدق في البحر الأحمر، وقد اغتالت الفتى الذي دربناه سنين عدداً (ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغر).
10/ أما اليمن السعيد العنيد الذي لو لم يملك في هذه الفانية إلا الآية الكريمة
{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}
وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(أَتاكُمْ أهْلُ اليَمَنِ هُمْ أضْعَفُ قُلُوبًا وأَرَقُّ أفْئِدَةً، الفِقْهُ يَمانٍ، والْحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ).
نعم لو لم تملك اليمن هذا البرنامج القدسي لما حُق لها أن تنقسم إلى شمال وجنوب أو تطعن عدن صنعاء وإن طال السفر وإن طال الخطر.
11/ أما مصر الشقيقة التي اشتهرت بخير أجناد الأرض، تلك التي عصمت أرض الإسلام بل عصمت الإنسانية في عين جالوت وكسرت سطوة التتار.
مصر الشقيقة التي خَرّجت الآلاف من العلماء والقُوَّاد والكتاب والفقهاء، مصر الأزهر الشريف التي كانت مرشحة لقيادة العالم العربي والإسلامي باعتباره الأخ الأكبر، تركناها لتعاني شظف العيش وقِلة الموارد وهي المؤهلة لقيادة أكبر مشروع مارشال عربي يمنح الملايين القوت بخبرته ويمنح الملايين الانتصار بسواعده.
مصر التي تركناها وحيدة تُعاني تربص الصناديق بكبريائها تحت إذلال الديون، والترليونات تُصب في مصارف عائلة روتشلد وروكفلر القديمة والجديدة حماية لإمبراطورية الربا، والنخب التي تستغلها وتُحركها كالدمى جزيرة جيفري إبستين الموسادية الملعونة.
ورغم هذا الحب الفياض لمصر الشقيقة إلا أننا عاتبون ومتساءلون: ما الذي يمنع الوحدة الفورية بين شمال الوادي وجنوبه، بين الكنانة والسودان؟ إلى متى هذا الانتظار الذي نرجو أن لا يكون محركه الأخير سطوة إثيوبيا التي ستبيع لها ماء النيل لو بعد حين (بالأواني والقوارير).
وأخيراً نعم إن الجماهير والنخب العربية والإسلامية المتمسكة بالإسلام ديناً وبالمصطفى صلى الله عليه وسلم زعيماً وقائداً سوف تتحرى ساعة التغيير القادمة التي لن يصنعها هذا الواقع المرير ولا هذه العروش الغافلة، ولكن النصر الزاحف سيكون عبر مواكب التغيير التي سوف تغسل عار الانكسار والخضوع، رذيلتنا في لثم أحذية تحالف الصليبية والصهيونية العالمية. نعم إن جيل التضحية والشرف والانعتاق الذي انتظرناه طويلاً يطِل من وراء الأفق الواثق، نعم هو قادمٌ يدقُ بوابة الدخول التي إن لم يفتحها له التاريخ سوف يقتحمها عنوةً واقتداراً. هذه الشباب الذي وعد به الشهيد هاشم الرفاعي:
شبابٌ لَم تحطّمه الليالي
ولم يُسلِم إلى الخصمِ العرينا
ولَم تشهدهُمُ الأقداحُ يوماً
وقد ملأوا نواديهم مُجونا
وما عرفوا الأغاني مائعاتٍ
ولكن العلا صيغتْ لحونا
وقد دانوا بأعظُمهم نضالاً
وعلماً لا بأجرئهم عيونا
فيتّحدون أخلاقاً عِذاباً
ويأتلفون مُجتمعاً رزينا
فما عرف الخلاعةَ في بناتٍ
ولا عرف التخنّث في بنينا
ولَم يتشدقوا بقشورِ علمٍ
ولَم يتقلّبوا في الملحدينا
ولَم يتبجّحوا في كل أمرٍ
خطير كي يقالَ مثقفونا
كذلك أخرج الإسلام قومي
شباباً مخلصاً حرّاً أمينا