د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: السودان بين رياح العالم العاتية وفرصة إعادة البناء

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

السودان بين رياح العالم العاتية وفرصة إعادة البناء

لم يعد ما يجري في العالم بعيداً عن الخرطوم، ولا صراعات القوى الكبرى أحداثاً تُتابَع عبر الشاشات فحسب؛ فـ السودان اليوم يقف في قلب تحولات دولية عميقة تعيد تشكيل خرائط النفوذ والاقتصاد والأمن. من التنافس المحموم بين القوى الكبرى، إلى اضطرابات أسواق الغذاء والطاقة، إلى الثورة الرقمية المتسارعة، تتقاطع هذه التحولات كلها مع واقع سوداني هشّ يبحث عن الاستقرار وبناء الدولة.
عالم يتغير… وسودان يتأثر
يشهد النظام الدولي انتقالاً نحو تعددية قطبية تتنافس فيها قوى عالمية على الموارد والممرات الاستراتيجية. وبحكم موقعه الجغرافي المطل على البحر الأحمر وامتداده الإفريقي والعربي، يتحول السودان إلى نقطة جذب في حسابات النفوذ. هذا الموقع يمنحه أهمية استثنائية، لكنه في الوقت نفسه يجعله عرضة للاستقطاب والضغط.
فالتحولات العالمية لم تعد سياسية فقط، بل اقتصادية وتقنية وأمنية، وكلها تنعكس مباشرة على الداخل السوداني. ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً يضغط على معيشة المواطن، وتقلبات أسعار الذهب تؤثر على موارد الدولة، واضطراب سلاسل الإمداد يضاعف أعباء الاقتصاد المحلي.
الاقتصاد في مواجهة العاصفة
يعتمد السودان على موارد طبيعية كبيرة، من الأراضي الزراعية الخصبة إلى المعادن، وعلى رأسها الذهب. غير أن التحولات العالمية كشفت هشاشة الاقتصادات التي تعتمد على تصدير المواد الخام دون بناء قاعدة إنتاجية متكاملة.
المرحلة الراهنة تفرض تحوّلاً استراتيجياً:
الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي.
توطين الصناعات المرتبطة بالزراعة والتعدين.
بناء منظومة شفافة لإدارة الموارد.
تقليل الاعتماد على الدعم الخارجي.
فالعالم الجديد لا ينتظر الدول المتعثرة، بل يكافئ الدول التي تعيد هيكلة اقتصادها وفق منطق الاستدامة.
التحولات الأمنية… وتحدي السيادة
مع تصاعد التنافس الدولي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، يصبح السودان جزءاً من معادلة أمنية معقدة. وفي ظل الصراعات الداخلية التي شهدها البلد، تتزايد مخاطر تحوله إلى ساحة تنافس غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية.
الحفاظ على السيادة الوطنية في ظل هذه التحولات يتطلب:
مؤسسة عسكرية وطنية موحدة.
قراراً سياسياً مستقلاً.
جبهة داخلية متماسكة تتجاوز الانقسامات.
فالدول التي تفقد تماسكها الداخلي تصبح أوراقاً في أيدي الآخرين.
الثورة الرقمية… فرصة لتجاوز المراحل
بينما يتقدم العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، يواجه السودان تحديات البنية التحتية التقنية. لكن الفجوة الرقمية يمكن أن تتحول إلى فرصة، إذا ما تم الاستثمار في التعليم التقني وريادة الأعمال، وتحديث مؤسسات الدولة رقمياً.
العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، ومن لا يلحق بالتحول الرقمي يخاطر بمزيد من التهميش.
من الهامش إلى الفاعلية
رغم كل التحديات، تحمل التحولات العالمية فرصة تاريخية للسودان. فموقعه الاستراتيجي يمكن أن يجعله جسراً بين إفريقيا والعالم العربي، وموارده الزراعية يمكن أن تعزز أمن المنطقة الغذائي، وثرواته المعدنية يمكن أن تكون ركيزة لبناء اقتصاد قوي.
غير أن ذلك لن يتحقق إلا برؤية وطنية واضحة، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة الدولة فوق الولاءات المرحلية.
وأخيرا: التحولات العالمية ليست قدراً يُفرض على السودان، بل اختبار لقدرة الدولة على إعادة تعريف نفسها. فإما أن يبقى السودان في هامش النظام الدولي الجديد، يتأثر ولا يؤثر، أو أن يحسن قراءة اللحظة التاريخية ويحوّل التحديات إلى فرص.
في زمن إعادة تشكيل العالم، لا مكان للدول المترددة. وحدها الدول التي تبني مؤسسات قوية، وتؤسس اقتصاداً منتجاً، وتحمي قرارها الوطني، هي التي تكتب مستقبلها بيدها. والسودان اليوم أمام هذه اللحظة الفاصلة.