
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (8) .. مسامرات النديم في الليل البهيم
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (8)
مسامرات النديم في الليل البهيم
1
أحد الأصدقاء تخرج من كلية الآداب وبعد أن قضى سنوات بالتدريس أنشأ مدرسة خاصة كانت صغيرة وأنيقة ومتميزة وكانت مِزاج ما بين التربية والتعليم والاستثمارالمقدورعليه.
طلب مني نصيحة فقلت له: إن المدخل إلى التميز والنجاح الأكاديمي يرتكزعلى الثقافة والأدب فعليك بالجمعية الأدبية وتنمية المواهب والهدايا لأصحاب الذكاء والنشاط والفاعلية وقد أهديته إثنتي عشرة لوحة موسومة باختيارت من الآيات والأحاديث والشعر والحكمة وطلبت منه أن يُعلقها في مداخل كل الفصول.
زارني بعد شهر وهو يتهلل فرحاً بأن طلابه قد حفِظوا كل هذه المأثورات الدينية والفكرية والأدبية وطالبوا بالمزيد، وذكر لي بعض الأشعار التي اتفقوا على حِفظها ومنها رائعة الشافعي الخفيفة الظِل القوية المبنى والمعنى:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ
وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا
فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ
وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا
إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً
فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا
وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ
وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا
وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ
وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا
سَلامٌ عَلى الدُنيا إِذا لَم يَكُن بِها
صَديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا
2
لو أن جمهورية الصين الشعبية انتبهت لثقافتها وعراقتها أكثر من صناعتها لحكمت العالم ولكنها آثرت المال وترك نعماء الحال فأصبحت في مؤخرة الدول الكُبرى ثقافياً ذكية بالاستهلاك متواضعة في الاستهلال. وقد حرصت على جمع بعض لطائف الأدب الصيني ومازالت في خاطري إحدى الحكايات القديمة التي تشبه القصة القصيرة أو القصيدة الحرة.
حين أراد الذّئب تعليمَ صغيرِه دروسًا في الحياة وفنّ العيش، ذهبَ به إلى قطيع الأغنام وقال له: لحوم هذه لذيذة، ثُمّ أشار إلى راعي الأغنام، وقال له مُحذِّرًا: عصا هذا الرّجل مؤلمة، فانتبه أن تَمَسَّك!
ولمّا رأى الذّئب الصّغيرُ كلبًا يقف بجوار الأغنام قال: هذا يشبهنا يا أبي، فأجاب الأب: أهرُبْ حين ترى هذا الكائن لأنّ كُلَّ ما عانيْنَاه في حياتنا كان سببه أولئك الذين يُشبهوننا ولا ينتمون إلينا.
3
منذ توالي الحملات الصليبية على بلاد العرب والمسلمين والتي رافقتها البعثات التبشيرية والاستعمار الباطش والاستشراق والتغريب والعلمانية وحكم النخب المستلبة بالوكالة لم تتراجع مواكب الدعاة والناصحين والمجاهدين في مجابهة هذا التيار الصليبي الصهيوني المجوسي الفاعل لإطفاء نور هذا الدين.
ظلت مواكب الناصحين والداعين إلى الأوبة وللنبع الثر الطيب تتوالى ما انقطعت يوما، واجهوا الاستعمار القديم والجديد منذ سقوط الخلافة ووعد بلفور والحرب العالمية الأولى والثانية واتفاقية سايس بيكو تلك التي قسمت العالم العربي والاسلامي إلى أشلاء وعنصريات وشتات.
ظلت المواكب الداعية للانعتاق والنهضة تترى من لدن المهدي السوداني ومحمد بن عبد الوهاب والأفغاني والكواكبي ورشيد رضا والامام البنا واقبال والمودودي والندوي ومالك بن نبي والعقاد وسيد قطب والشيخ محمد الغزالي والدكتور المجدد حسن الترابي والدكتور علي شريعتي والشيخ محمد متولي الشعراوي والشهيد أحمد ياسين والطاهر بن عاشور ودكتور المزروعي ودكتور عبد الوهاب المسيري والقائمة تطول.
ومن الأقلام الصحفية الباهرة والتي تصدت بجسارة لتيارات التغريب والانكسار الحضاري محمد جلال كشك وفهمي هويدي ومحمد حسنين هيكل وساندهم شعراء القضية هاشم الرفاعي وعمر أبو ريشة وأحمد مطر وفراج الطيب والفيتوري وصلاح أحمد ابراهيم، ولكن للأسف انقطع هذا التيار الحر عن بلوغ غاياته في التغيير لأن الاستعمار الجديد كان قد وطد أركانه في بلادنا وقدم على صفوفنا المهزومة حكاما بلا انتماء، وإعلاميين بلا ضمير، ومثقفين بلا قضية.
عزيزي الأستاذ محمد حسنين هيكل اسمح لنا أن نورد صرختك هذه التي أطلقتها قبل عشرين عاما لنكبتنا الحالية وكأنما صرختك هذه قد فلقت الشعرة واخترقت عتمة المؤامرة.
وقد صدق في حق هؤلاء الأوغاد المتحكمين على مغانم البلاد ورقاب العباد قول حكيم النيل حافظ إبراهيم وهو يستقبل صديقه شوقي بعد المنفى وهو يشكو الزمرة القديمة الجديدة:
أَشكو إِلَيكَ مِنَ الزَمانِ وَزُمرَةٍ
جَرَحَت فُؤادَ الحق في أَعيانِهِ
كَم خارِجٍ عَن أُفقِهِ حَصَبَ الوَرى
بِقَريضِهِ وَالعُجبُ مِلءُ جَنانِهِ
يَختالُ بَينَ الناسِ مُتَّئِدَ الخُطا
ريحُ الغُرورِ تَهُبُّ مِن أَردانِهِ
كَم صَكَّ مَسمَعَنا بِجَندَلِ لَفظِهِ
وَأَطالَ مِحنَتَنا بِطولِ لِسانِهِ
مازالَ يُعلِنُ بَينَنا عَن نَفسِهِ
حَتّى اِستَغاثَ الصُمُّ مِن إِعلانِهِ
نَصَحَ الهُداةُ لَهُم فَزادَ غُرورُهُم
وَاِشتَدَّ ذاكَ السَيلُ في طُغيانِهِ
أَوَ لَم تَرَ الفُرقانَ وَهوَ مُفَصَّلٌ
لَم يَلفِتِ البوذِيَّ عَن أَوثانِهِ
4
كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطل على منى)، ثم صاحوا: هذه غدرة فلان. لما تدلل عليه من حرمة الجوار، حيث يصل بها افتضاح أمر الغادر إلى أقصى مدى، خصوصا أنها تقع في الحج بما يحمله من معان مقدسة وما يقع فيه من اجتماع كبير للقبائل العربية
وقد فخرت امرأة من بني هاشم بقبيلتها فقالت:
فإنْ نَهلِكْ فلمْ نَعرِفْ عُقوقا
ولمْ تُوقدْ لنا بالغَدرِ نارُ
حاشية:
ولو أشعلوا نيران الغدرالتي قابلتنا بها أوباش حميدتي لاحترقت مني بكثرة نيرانهم
5
نزُف إلى قائد الفرقة الخامسة مشاة (هجانة) اللواء ركن الصديق الجيلي عبدالرحيم الفارس وأركان حربه وجنوده البواسل وسنده من المشتركة و(البراؤون) والمقاومة الشعبية من الذين أفرحوا قلوب الملايين بهذا النصرالكبير الذي استعادوا فيه بارا من أيدي الغاصبين، وبالرغم مما أثاره هؤلاء المرتزقه من كوامن الثأرات في قلوب الكثيرين إلا أننا نذكر الإخوة في القوات المسلحة في ثغور كردفان بنصيحة الشاعرالعربي الكبير النابغة الجعدي وهو يصف أخلاق المقاتلين التي يجب أن نتمثلها إذ يقول:
مَلَكنا فَلَم نَكشِف قِناعاً لِحرَّةٍ
ولَم نَستَلِب إِلاَّ القِنَاعَ المسمَّرا
وَلَو أَنَّنا شِئنا سِوى ذاكَ أَصبَحَت
كَرائِمُهُم فِينَا تُباعُ وَتُشتَرى
وَلكنَّ أَحساباً نَمَتنا إِلى العُلى
وَآباءَ صِدقٍ أَن نَرُومَ المحقَّرا
6
وبالرغم من أن مقدمة ابن خلدون كانت وما زالت من أنصع كتب الأدب العربي في علم الاجتماع والعمران وفي تفسير نُهوض الحضارات وانهياراتها إلا أن بن خلدون كان متواضعاً تواضُع العلماء وهو يقدم كُتُب الآخرين على موسوعته الراجحة فقد اعترف قولاً وتوثيقاً بأنك إن قرأْتَ هذه الكتب الأربعة فقد قرأْتَ أصول فن الأدب وأركانه:
1/ أدب الكاتب لابن قتيبة.
2/ الكامل للمبرد.
3/ البيان والتبيين للجاحظ.
4/ الأمالي لأبي علي القالي.
وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفروع منها.
7
ومن اعترافات الكسائي واعتذاره عن الخطأ وعن أدب هارون الرشيد في تقبل عثرات العلماء وفي تعليق الذهبي على الحادث ما يبعث على الطمأنية بأن هذه الأمة مادام عاِلم مثل الكسائي وأمير مثل هارون وناقد مثل الذهبي فإنها بخير ولو بعد حين قيل:
أن الإمام الكسائي رحمه الله قال: صليت بهارون الرشيد يوماً فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط
أردت أن أقول: (لعلهم يرجعون) فقلت: (لعلهم يرجعين)
قال: فوالله ما اجترأ هارون أن يقول لي: أخطأت، ولكنه لما سلمت قال لي: يا كسائي! أي لغة هذه؟ قلت: يا أمير المؤمنين! قد يعثر الجواد! فقال: أما هذا فنعم.
علّق الإمام الذهبي رحمه الله على هذا الخبر بقوله: (من وعى عقله هذا الكلام علم أن العالم مهما علا كعبه، وبرز في العلم، إلا أنه لا يسلم من أخطاء و زلات، لا تقدح في علمه ولا تحط من قدره ولا تنقص منزلته ومن حمل أخطاء أهل العلم والفضل على هذا السبيل حمدت طريقته، وشكر مسلكه، ووفق للصواب.