دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية .. وحدة السلاح لأجل الوطن

دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية .. وحدة السلاح لأجل الوطن

تقرير: مجدي العجب
عندما تتكاثف فيها معاني الانتصار وتتبلور ملامح ما بعد الحرب، تمضي الدولة السودانية نحو رسم ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب البيت الوطني وتحصين مؤسساته النظامية. فبعد شهورٍ طويلة من التضحيات التي سطرتها القوات المسلحة ومعها القوى المساندة في ميادين القتال، تلوح في الأفق خطوات عملية لترجمة تلك التضحيات إلى واقعٍ مؤسسي يرسخ هيبة الدولة ويؤسس لمرحلة الاستقرار. وفي هذا السياق، كشف ياسر العطا عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة عن توجهٍ استراتيجي يقضي بدمج القوات المساندة التي وقفت إلى جانب الجيش في معركة الكرامة داخل المؤسسات النظامية للدولة، وفق الضوابط والمعايير المهنية المعمول بها. خطوةٌ تعكس رؤية الدولة في تحويل زخم المعركة إلى قوة منظمة داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية، بما يضمن وحدة القرار الأمني ويعزز من تماسك المنظومة الدفاعية. ويأتي هذا الإعلان في وقتٍ تتقدم فيه القوات المسلحة بثبات في مختلف المحاور، بينما تتعاظم قناعة الشارع السوداني بأن معركة استعادة الدولة لا تكتمل فقط بحسمها ميدانياً، بل كذلك بإعادة بناء مؤسساتها على أسس الانضباط والاحتراف. فالدمج المرتقب لا يمثل مجرد إجراء إداري، بل خطوة ذات دلالات سياسية وأمنية عميقة، تؤكد أن كل من حمل السلاح دفاعاً عن الوطن سيكون جزءاً من مشروع الدولة، إما داخل مؤسساتها النظامية أو عبر برامج تأهيل مهني تفتح أمامه أبواب الحياة المدنية الكريمة. ومن هنا، تبدو تصريحات العطا بمثابة إعلانٍ عن بداية مرحلة جديدة، مرحلة تنتقل فيها البلاد من ميادين القتال إلى ميادين البناء، ومن حالة التعبئة العامة إلى ترسيخ مؤسسات الدولة القادرة على حماية الوطن وصون مكتسبات معركة الكرامة التي كتب فصولها أبناء السودان في مختلف الجبهات.

 

 

العطأ يلوح بالدمج

 

وقال عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن العطا خلال مخاطبته القوات المرابطة إن الفترة القادمة ستشهد دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية (القوات المسلحة، قوات الشرطة، جهاز المخابرات العامة) وفقاً للشروط والمعايير المعمول بها في الانضمام لهذه المؤسسات.
وأشار عضو السيادي مساعد القائد العام إلى أن الدمج سيشمل كل القوات المساندة التي قاتلت مع القوات المسلحة في حرب الكرامة بلا استثناء بالقوات المشتركة، درع السودان، كتائب البراء، وكتائب الثوار والمقاومة الشعبية مؤكداً أن عملية الدمج سيتم تفعيل آلياتها قريباً وستكون فورية دون الإنتظار لتحديد أي توقيتات أخرى.
وأوضح عضو مجلس السيادة أن الدولة والمؤسسة العسكرية يقع علي عاتقها مسؤولية توفيق أوضاع غير الراغبين في الانضمام للمؤسسات النظامية بإخضاعهم للتدريب المهني وتمليكهم حرفاً ومهناً توفر لهم سبل العيش الكريم لينخرطوا في المجتمع ويواصلوا مسيرة بناء الوطن الذي ينتظرهم جميعاً.

 

تحولات مهمة

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي حسن الشايب أن الخطوة التي أعلنت عنها القيادة العسكرية بشأن دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية تمثل تحولاً مهماً في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وتعكس إدراكاً متقدماً لأهمية الانتقال من حالة التعبئة القتالية إلى بناء منظومة أمنية موحدة تحت مظلة الدولة. ويضيف الشايب في حديث ل (ألوان) قائلا: التجارب المقارنة في الدول التي شهدت صراعات مسلحة تؤكد أن دمج القوى التي شاركت في القتال ضمن المؤسسات الرسمية هو أحد أهم الضمانات للحفاظ على الاستقرار ومنع تعدد مراكز القوة العسكرية.
وزاد هذا التوجه، إذا ما تم وفق معايير مهنية واضحة وبرامج تأهيل منضبطة، يمكن أن يسهم في تعزيز احترافية القوات النظامية وترسيخ عقيدة وطنية جامعة، خاصة أن كثيراً من هذه القوات المساندة قاتلت بدافع الدفاع عن الدولة ووحدة البلاد. كما أن فتح مسارات مهنية ومدنية لمن لا يرغب في الانضمام إلى المؤسسات العسكرية يمثل معالجة ذكية تمنع تحوّل السلاح إلى ظاهرة خارج إطار الدولة، وتعيد دمج هؤلاء في الدورة الاقتصادية والاجتماعية. وختم الشايب حديثه لنا قائلا: نجاح هذه الخطوة مرهون بوجود رؤية مؤسسية متكاملة تُشرف عليها الدولة، بحيث تتحول تضحيات الميدان إلى قوة منظمة تسهم في تثبيت الأمن وتهيئة المناخ لمرحلة إعادة الإعمار وبناء الدولة السودانية على أسس أكثر صلابة واستقراراً.

 

مرتكزات الاستقرار

فيما يرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد إبراهيم أن إعلان القيادة العسكرية عن دمج القوات المساندة داخل المؤسسات النظامية يمثل خطوة مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السودانية بعد مرحلة الحرب. واكد في تصريح ل”ألوان” أن توحيد القوى التي شاركت في معركة الدفاع عن البلاد تحت مظلة مؤسسات رسمية منضبطة يسهم في تعزيز هيبة الدولة وترسيخ مبدأ احتكارها المشروع للقوة، وهو أحد أهم مرتكزات الاستقرار في أي دولة. وزاد في قوله هذه الخطوة تعكس كذلك تقديراً لدور القوى الشعبية والمساندة التي وقفت إلى جانب القوات المسلحة في لحظة تاريخية فارقة، مشيراً إلى أن دمج العناصر المؤهلة وفق معايير مهنية صارمة سيعزز من قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية ويمنحها زخماً بشرياً مدرباً اكتسب خبرة ميدانية خلال الحرب. كما اشار إلى أن ما طرحته الدولة بشأن تأهيل غير الراغبين في الانضمام للمؤسسات النظامية عبر برامج تدريب مهني وتمليكهم حرفاً ومهناً يمثل جانباً مهماً في معالجة آثار الحرب اجتماعياً واقتصادياً، لأنه يفتح أمام هؤلاء مسارات إنتاجية تسهم في إعادة بناء المجتمع وتدعم جهود الاستقرار والتنمية.

راية الوطن

وتبدو خطوة دمج القوات المساندة في المؤسسات النظامية جزءاً من مشروعٍ أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس الانضباط المؤسسي ووحدة السلاح تحت راية الوطن. فبعد معركةٍ صاغت فصولها تضحيات المقاتلين في الميدان، تتهيأ البلاد لمرحلة جديدة تُستثمر فيها تلك البطولات في ترسيخ الأمن والاستقرار وإعادة ترتيب المشهد الوطني.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطوة سيعزز من تماسك المنظومة الأمنية ويغلق الباب أمام أي مظاهر لتعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة، كما سيمنح آلاف المقاتلين مساراً واضحاً بين الانخراط في المؤسسات النظامية أو الاندماج في الحياة المدنية عبر برامج التأهيل المهني. وبذلك تمضي البلاد نحو مرحلة ما بعد الحرب بروحٍ جديدة، عنوانها البناء واستعادة عافية الدولة، في مسيرةٍ يتطلع السودانيون أن تقود إلى وطنٍ أكثر قوة واستقراراً.