
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (14)
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (14)
يَجودونَ لِلراجي بِكُلِّ نَفيسَةٍ
لَدَيهِم سِوى أَعراضِهِم وَالمَناقِبِ
فكأن صفي الدين الحلي يعني أهل السودان
1
ولم أرَ في قيم التواصل بين الناس أحب لله ولرسوله وللناس أجمل وأصدق من المحبة في الله والتهادي بين الإخوة والأهل والأصدقاء. إن المحبة والهدية عندي وهذه ليست بفتوى أَجَل وأرفع من الصدقة وقد قال المصطفى يوماً وما زال قائلاً: (تهادوا تحابوا) وبعد قراءتي لهذا الحديث فإني أقترح على كل الإخوة أن يجعلوا لهم أربعين حديثاً كالأربعين النووية يحفظونها ويُطبقونها ويُهدونها لأحبتهم واجعلوا هذا الحديث مشتركا في هذه القائمة.
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: زار رجلٌ أخًا لهُ في قَريةٍ، فأرصَد اللهُ لهُ ملَكًا على مَدرجَتِه، قال: أينَ تريدُ؟
قال: أخًا لي في هذهِ القريةِ،
فقال: هل لهُ عليكَ مِن نعمةٍ تَرُبُّها؟
قال: لا، إنِّي أحبُّهُ في اللهِ
قال: فإنِّي رسولُ اللهِ إليكَ؛ إنَّ اللهَ أحبَّكَ كَما أحبَبْتَه.
حاشية:
نِعمةٍ تَربُّها : أي هلْ لهذا الرَّجلِ المزُورِ مِن نِعمٍ دُنيويَّةٍ تُريدُ أنْ تَستوفِيَها له بزِيارتِكَ تلك؟
2
قابلت في جلسة مطولة أحد وزراء الخارجية أثناء حقبة الإنقاذ فقال لي: هل من نصحية؟ فقلت له : هنالك بند ودرس يجب أن يُلقن ويُدرس للسفراء وطاقمهم العامل الذين يمثلون بلادنا في عواصم العالم المختلفة وهي أن يخلقوا علاقة صداقات مع المتنفذين المؤثرين سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وإعلامياً وسياحياً ورياضياً ويدعونهم لزيارة بلادنا مع أسرهم للتعريف والترفيه ونسج الوشائج بالحُسنى، وأن يؤسسوا لنا مع تلك الأقطار جاليات متنفذه ومُنتجة فنحن للأسف قمنا بتأسيس كثير من مقومات دول الجوارالعربية والأفريقية وخرجنا منها بخُفي حنين بلا مال ولا أعمال ولا رجال ولا مصاهرة ،وظننا أن هذه أنفة وهي في الحقيقة سذاجة وعدم دراية بالدين والدنيا.
وإني أحفظ للرجل أنه كتب اقتراحي ولم أقابله بعدها ولم يُطبق بعضها ونسيتها كما نسيت كثيرمن النصائح وعَددتها من باب ( كلام جرايد) الرجاء النظر لهذا الحديث للرسول صلى الله عليه وسلم ففيه احتفاء وعطاء ودعاء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تقدروا فادعوا له» . ولما قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام يخدمهم بنفسه، فقيل له يا رسول الله: لو تركتنا كفيناك، فقال: كانوا لأصحابي مكرمين.
3
كان أبو العلاء متعالياً على كل أصحاب المذاهب والقريض ولكنه كان متواضعاً في حضرة أشعار المتنبي، وفي كتبه وكتاباته حين يذكر الشعراء كان يذكرهم بأسمائهم وحين يستدل بشعرالمتنبي لا يذكراسمه بل يقول تواضعاً: (قال الشاعر) غير أن أهل الحصافة من نقاد الشعر يعتبرون المعري قد ساوى المتنبي في الشعر وفاقه في الفكر والفلسفة، وعندما بلغ الثمانين أدلى بهذه المرافعة التي تستحق الحرص مع التحفظ.
قال أبو العلاء، وهو على قمّة الثمانين، وقد ترامت بين يديه حصائد التجارب، وأمكنَ لأضواءِ عقله الفذّ أن تسبر حقائق الحياة:
مَنْ راعَهُ سَبَبٌ أو هاله عَجَبٌ
فلي ثمانون حولاً لا أرى عَجَبا
الدهرُ كالدهر والأيامُ واحدةٌ
والناسُ كالناسِ والدنيا لمن غَلَبا
على أنَّ تشابه الأيام والناس ورضوخهم في دنياهم لقانون (الغلبة) لم يمنعْ أبا العلاء أن يقول:
قد يَبْعُدُ الشيءُ من شيءٍ يشابهُهُ
إنّ السماءَ نظيرُ الماءِ في الزّرَقِ
4
وفي علم الكلام والفلسفة بين الثابت والمتحول في الشكلانية والجُوانية الكثير من الدلائل التي قيل فيها الشعر والنثر وقدمت عقل الرجل ولسانه وحكمته فوق وسامته وأناقته،وإن كانت الأخيرة متممة للأولى.
وكان الحُذاق الطالبين لقُرب النساء يقولون: اللهم ارزقنا عروساً ذات حسب ونسب ومال وجمال ودين، فإذا تطابق الشكل والمضمون فذلك المبتغى لكل الراغبين في المعالي. وبالمناسبة لقد ابتدرنا هذا الاستدلال بمقولة للحجاج وهو بالمناسبة غير جبروته كان شاعراً وخطيباً ومعلماً للصبيان والقرآن في ميعة صباه والحديث حول الحجاج يطول، قال ابن يوسف الثقفي:
الوسامة للنساء والجسامة للإبل أما الرجال فعقل ولسان.
و قال المتنبي:
وَما الحُسنُ في وَجهِ الفَتى شَرَفاً لَهُ
إِذا لَم يَكُن في فِعلِهِ وَالخَلائِقِ
و قال ابن تيمية:
وهل ينفع الفتيانَ حسنُ وجوههم
إذا كانت الأعراضُ غيرَ حسانِ؟
ولا تجعلِ الحسنَ الدليلَ على الفتى
فما كل مصقولِ الحديد يمانِ
5
قيل: إن شاعراً قصد خالد بن يزيد، فأنشده شعرا يقول فيه:
سألت الندى والجود حرّان أنتما
فقالا يقينا إنّنا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولا
إليّ وقالا خالد ويزيد
فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم، وقل له: إن زدتنا زدناك فأنشد يقول:
كريم كريم الأمهات مهذّب
تدفّق يمناه الندى وشمائله
هو البحر من أي الجهات أتيته
فلجّته المعروف والجود ساحله
جواد بسيط الكف حتى لو انه
دعاها لقبض لم تجبه أنامله
فقال يا غلام: أعطه مائة ألف درهم، وقل له إن زدتنا زدناك، فأنشد يقول:
تبرّعت لي بالجود حتى نعشتني
وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
وأنبتّ ريشا في الجناحين بعدما
تساقط مني الريش أو كاد يذهب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى
حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقال يا غلام: اعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فقال: حسب الأمير ما سمع، وحسبي ما أخذت وانصرف
حاشية:
وقال أهل اللطائف ولو ظل هذا الشاعر يزيد لأفرغ بيت مال المسلمين.
6
وللعرب ذوق في المأكل والملبس فالطعام يحق فيه الخفاء قلة أو كثرة أو زهداً ،ولكن الملبس يحق فيه الظهور. ومثلما يستمتع الباطن بالطعام فإن عيون الآخرين تستمتع بالكِساء وفي هذا الباب يقولون:
كل ما تشتهيه نفسك والبس ما يشتهيه الناس وقد نظمه من قال:
إنّ العيون رمتك إذ فاجأتها
وعليك من مهن الثياب لباس
أمّا الطعام فكل لنفسك ما اشتهت
واجعل لباسك ما اشتهته الناس
7
الشاعر صفي الدين الحلي دائماً ما أوصي ناشئة الشعراء والمتأدبين بالحرص على أشعاره ،فأشعار الرجل صُنعت وصِيغت في تلقائيةٍ لِفرح العامة والخاصة، فشِعر الرجل بعمقه وبساطته يصلح للترديد والاستدلال والغناء.
وفي كل باب من أبواب الشعر يكتب الحلي غزلاً نسيباً أو فخراً أو مديحاً أو رثاء أو حكمة فإنك تجد نفسك مستغرقاً طرباً بِطِيِبٍ لا تشتمه فقط بل تستصحبه وما أذكاه من طِيب مستحيل!
وقد استوقفتي قصيدته البائية الشهيرة التي اخترت فرعها الخفيض إذا يقول:
وَما الجودُ إِلّا حِليَةٌ مُستَجادَةٌ
إِذا ظَهَرَت أَخفَت وُجوهَ المَعائِبِ
لَقَد هَذَّبَتني يَقظَةُ الرَأيِ وَالنُهى
إِذا هَذَّبَت غَيري ضُروبُ التَجارِبِ
وَأَكسَبَني قَومي وَأَعيانُ مَعشَري
حِفاظَ المَعالي وَاِبتِذالَ الرَغائِبِ
سَراةٌ يُقِرُّ الحاسِدونَ بِفَضلِهِم
كِرامُ السَجايا وَالعُلى وَالمَناصِبِ
إِذا جَلَسوا كانوا صُدورَ مَجالِسٍ
وَإِن رَكِبوا كانوا صُدورَ مَواكِبِ
أُسودٌ تَغانَت بِالقَنا عَن عَرينِها
وَبِالبيضِ عَن أَنيابِها وَالمَخالِبِ
يَجودونَ لِلراجي بِكُلِّ نَفيسَةٍ
لَدَيهِم سِوى أَعراضِهِم وَالمَناقِبِ