هلال والنور قبة .. تسريع عدّاد انهيار المليشيا

هلال والنور قبة .. تسريع عدّاد انهيار المليشيا

تقرير: مجدي العجب
في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، تتكشّف ملامح تحوّل عميق داخل بنية المليشيات المسلحة التي حاولت أن تفرض نفسها بديلاً للدولة، فإذا بها تتآكل من الداخل تحت وطأة التناقضات والانقسامات والوعي المتنامي بحقيقة المشروع الذي تقف خلفه. فخروج القائد النور القبة من صفوف مليشيا الدعم السريع لا يمكن قراءته كحدث عابر أو خطوة فردية، بل هو مؤشر واضح على تصدّع البنية الداخلية للمليشيا، وبداية مرحلة جديدة عنوانها الانفضاض التدريجي عن مشروع ثبت لكثير من قادته ومقاتليه أنه لا يخدم السودان، بل يستهدفه في عمقه ووحدته وسيادته. هذا التطور يتقاطع بشكل لافت مع الحراك الذي يقوده زعيم المحاميد موسى هلال، الذي ظلّ رقماً صعباً في معادلة دارفور، وصوتاً لا يمكن تجاهله في معادلات القوة والنفوذ. فموقفه المتقدّم بالاقتراب من صف الدولة، وإشاراته المتكررة إلى ضرورة إعادة ترتيب البيت الداخلي، يعكسان إدراكاً عميقاً لطبيعة المؤامرة التي تحاك ضد السودان، والتي تستخدم أدوات محلية لتنفيذ أجندات خارجية تسعى إلى تفكيك الدولة الوطنية وإغراقها في فوضى ممتدة.

 

 

إن قراءة المشهد من هذه الزاوية تكشف أن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري على الأرض، بل هو صراع إرادات ومشاريع: مشروع الدولة الوطنية التي يمثلها الجيش السوداني، ومشروع التفكيك الذي تتبناه قوى خارجية عبر أذرع مسلحة. وفي هذا السياق، يصبح تفكك المليشيا من الداخل، عبر شخصيات ذات ثقل وتأثير مثل النور القبة، وتحت مظلة تحركات قيادات تقليدية وازنة مثل موسى هلال، عاملاً حاسماً في تسريع انهيار هذا الكيان الذي قام على هشاشة الولاءات وتناقض الأهداف. كما أن هذه التحولات تعكس حقيقة ظلّ كثيرون يحاولون طمسها، وهي أن الدعم السريع لم يكن يوماً مشروعاً وطنياً خالصاً، بل كان أداة وظيفية ضمن سياق إقليمي ودولي معقّد، استُخدمت للضغط على الدولة السودانية وتفكيك نسيجها الاجتماعي. غير أن وعي القيادات الميدانية، واصطدامها بواقع مختلف عن الشعارات المرفوعة، بدأ يدفع باتجاه مراجعات داخلية، قد تكون بداية النهاية لهذا التشكيل المسلح.
وفي ظل هذا المشهد المتحوّل، يبرز الجيش السوداني كمرتكز أساسي للدولة، وكمؤسسة تحظى بتأييد متزايد من قطاعات واسعة من الشعب، خاصة مع انكشاف طبيعة الصراع وأبعاده. فكل انشقاق داخل المليشيا، وكل تقارب مع الدولة من قبل قيادات مؤثرة، يعزز من فرص استعادة الاستقرار، ويقرب البلاد من لحظة الحسم التي طال انتظارها.
إن خروج النور القبة، وتحركات موسى هلال، ليسا سوى عنوانين لمرحلة أكبر، مرحلة تتآكل فيها المليشيا من الداخل، وتتساقط أوراق مشروعها تباعاً، لتنكشف الحقيقة كاملة: أن السودان، رغم الجراح، ما زال قادراً على مقاومة التفكيك، وأن صموده ليس مجرد صدفة، بل نتاج وعي متراكم وإرادة وطنية بدأت تستعيد زمام المبادرة.

جهد موسى هلال

ويقول العقيد (م) محمد فرح إن ما يجري منذ أمس الأول في محيط مليشيا الدعم السريع لا يمكن فهمه إلا باعتباره لحظة تفكك داخلي حقيقية، تتجاوز الانشقاقات التقليدية إلى ما يشبه إعادة التموضع السياسي والعسكري لبعض مراكز الثقل داخلها. واضاف فرح في حديث ل (ألوان)، تبرز تحركات موسى هلال بوصفها عاملاً مؤثراً، ليس فقط بحكم موقعه الاجتماعي والقبلي، بل أيضاً لخبرته الطويلة في توازنات دارفور وتشابكاتها المعقدة. فخروج النور قبة الذي يُنظر إليه كأحد الوجوه القيادية البارزة داخل المليشيا يرسل رسالة مزدوجة: الأولى إلى داخل الدعم السريع بأن حالة التماسك لم تعد كما كانت، والثانية إلى الخارج بأن هناك مراجعات جادة بدأت تتشكل داخل الصفوف. وإذا ما ربطنا هذا التطور بحراك موسى هلال، فإننا أمام مشهد يوحي بوجود عمل منظم أو على الأقل متقاطع الأهداف لتفكيك بنية المليشيا من الداخل، عبر استقطاب شخصيات ذات وزن وتأثير. وزاد في قوله سياسياً، يمكن قراءة تحركات هلال على أنها محاولة لإعادة التموضع في لحظة حاسمة: فهو يدرك أن موازين القوى تميل تدريجياً لصالح الدولة، وأن الرهان على المليشيا كبديل مستدام لم يعد واقعياً. لذلك، فإن انفتاحه على خيار تفكيك المليشيا أو إضعافها من الداخل، قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لاستعادة دوره ضمن معادلة الدولة، ولكن هذه المرة من بوابة الشرعية لا التمرد.
وأشار فرح في حديثه لنا قائلا: لا ينبغي إغفال أن هذه التحركات تحمل أيضاً بعداً براغماتياً واضحاً؛ إذ إن القيادات المحلية في مناطق النزاع غالباً ما تعيد حساباتها وفقاً لمعادلات البقاء والنفوذ. وعليه، فإن انتقال شخصيات مثل النور القبة من موقع إلى آخر لا يعكس فقط قناعة فكرية، بل أيضاً قراءة واقعية لمآلات الصراع.
وختم حديثه: الأثر الأهم لهذه التطورات يكمن في بعدها التراكمي: فكل خروج لقيادي مؤثر، وكل تباعد بين مراكز القوة داخل المليشيا، يسرّع من تفككها البنيوي، ويضعف قدرتها على الاستمرار كجسم متماسك. ومع استمرار هذا النسق، قد نجد أن الانهيار – إن حدث – لن يكون نتيجة ضربة واحدة، بل حصيلة تآكل بطيء من الداخل. وتحركات موسى هلال، مقترنة بانشقاقات مثل خروج النور القبة، تعكس تحوّلاً في ديناميات الصراع: من مواجهة عسكرية صِرفة إلى صراع على الولاءات وإعادة تشكيل الاصطفافات. وهذا النوع من التحولات غالباً ما يكون أكثر حسماً على المدى المتوسط، لأنه يضرب في عمق البنية، لا في أطرافها فقط.

أزمة بنيوية

فيما يرى الصحافي والمحلل السياسي عبدالعظيم صالح أن ما يجري داخل مليشيا الدعم السريع لم يعد مجرد تململ داخلي أو انشقاقات محدودة، بل هو تعبير واضح عن أزمة بنيوية عميقة تضرب في صميم تكوينها، وتكشف هشاشة المشروع الذي قامت عليه منذ البداية. ويشير صالح في حديث ل (ألوان) إلى أن تحركات موسى هلال لا يمكن فصلها عن هذا السياق، بل تمثل في تقديره أحد أهم مفاتيح تفكيك المليشيا من الداخل، بحكم ما يملكه الرجل من نفوذ اجتماعي وقدرة على التأثير في قواعدها البشرية.
ويضيف أن خروج النور القبة، الذي يُنظر إليه كأحد الأعمدة القيادية داخل المليشيا، يحمل دلالات تتجاوز شخصه، ليعكس حالة من فقدان الثقة داخل الصف القيادي، وتنامي قناعة لدى بعض قادتها بأن المشروع الذي انخرطوا فيه وصل إلى طريق مسدود. ويرى أن هذه الخطوة تمثل بداية سلسلة تساقط متوقعة، خاصة إذا ما استمرت الضغوط العسكرية من جهة، والتحركات السياسية والاجتماعية من جهة أخرى. وزاد في قوله موسى هلال يقرأ المشهد بواقعية سياسية، مدركاً أن استمرار المليشيا في وضعها الحالي يعني إطالة أمد الفوضى، وهو ما قد ينعكس سلباً حتى على الحواضن الاجتماعية التي تستند إليها. لذلك، فإن تحركاته كما نراها تحمل بعداً وطنياً يتمثل في محاولة احتواء الانفلات، وإعادة توجيه بعض مكونات هذه القوة نحو مسار أقرب إلى الدولة.

فقدان التماسك

وقد تبدو التطورات الجارية وكأنها ترسم ملامح نهاية مرحلة وبداية أخرى في مسار الصراع السوداني؛ مرحلة تتراجع فيها قوة السلاح المنفلت أمام منطق الدولة، وتتقدم فيها إرادة إعادة البناء على حساب مشاريع التفكيك. فخروج قيادات مؤثرة، وكذلك مواقف شخصيات ذات وزن مثل موسى هلال، يعكسان تحوّلاً لا يمكن التقليل من شأنه، بل يؤشران إلى أن ما كان يُنظر إليه كقوة صلبة، بدأ يفقد تماسكه من الداخل.
إن هذه اللحظة، بكل تعقيداتها، تضع السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة ترتيب أولوياته، وترسيخ مفهوم الدولة الجامعة التي تتسع للجميع، دون سلاح خارج مؤسساتها. كما أنها تفتح الباب أمام مراجعات أوسع داخل المكونات التي انخرطت في الصراع، بما يمهّد لعودة تدريجية إلى منطق السياسة بدلاً من فوضى البنادق.
وعليه، فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد تطور ميداني عابر، بل هو منعطف استراتيجي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة: إما ترسيخ دعائم الدولة واستعادة الاستقرار، أو الانزلاق مجدداً إلى دوامة التشظي. غير أن المؤشرات الراهنة بما تحمله من انشقاقات وتحولات توحي بأن كفة الدولة بدأت تميل بثبات، وأن زمن المليشيات، مهما طال، يقترب من أفوله.