الدول الحبيسة .. صراع المنافذ والأطماع يشعل حدود السودان

الدول الحبيسة .. صراع المنافذ والأطماع يشعل حدود السودان

 

تقرير: الهضيبي يس

تُعتبر قضية الحدود من القضايا الشائكة في السودان نسبة للتأثيرات الأمنية والاجتماعية التي تحيط بالدولة، وبروز جملة من التعقيدات والإشكاليات السياسية والمطامع الاقتصادية. والسودان البلد الذي يحتل موقعًا جغرافيًا بين منطقة الشرق الأوسط عند حدود التداخل مع دول المملكة العربية السعودية ومصر والأردن عن طريق البحر الأحمر، وشرقًا بمحاذاة العمق الأفريقي لدول تحالف منطقة (الإيقاد) من دول إثيوبيا ويوغندا وكينيا وجنوب السودان ورواندا وجيبوتي وتنزانيا والصومال، وذلك قبل شهر يوليو من العام 2011، أي ما قبل انفصال جنوب السودان. وبعد ذلك تغيّرت الخارطة الجغرافية والجيوسياسية للبلاد، وقطعًا تبدّلت معها المعطيات الأمنية والمنحى السياسي والأمني نظرًا لتقارب بعض الدول وابتعاد أخرى، ومع ذلك ظهرَت مجموعة من المشاريع والمطامع والتطلعات لتلك الدول التي تحد السودان شرقًا مثل إثيوبيا، وغربًا مجموعة دول الساحل الأفريقي من دول (تشاد، أفريقيا الوسطى، النيجر، نيجيريا، مالي، بوركينا فاسو، بنين، ليبيا، الجزائر)، أو ما يُعرف بمجموعة تحالف الإيكواس. بينما رغبت بعض الدول (الحبيسة) في البحث عن منفذ مائي للتخلص من عقدة الموقع الجغرافي وتخفيض مستويات الصرف الاقتصادي، مثل ما تسعى إليه الآن إثيوبيا، فهي تنفق سنويًا ما بين 5 – 6 مليارات دولار لتصدير منتجاتها عن طريق الموانئ الجيبوتية، بعدما فقدت المنفذ المائي الوحيد لها عقب انفصال إريتريا بحلول العام 1990م.

 

 

ومع مرور الوقت نجد أن أديس أبابا صممت لنفسها مشروعًا خلال العشر سنوات الماضية يعتمد بشكل أساسي على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة، فضلًا عن إنشاء مشاريع ذاتية لمجابهة تحديات الاكتفاء الغذائي مع ازدياد سكاني مطرد، وتضاريس جغرافية ومناخية ثرّة، في إشارة (للأرض)، لذا تجدها سعت لقيام مشروع سد النهضة للاكتفاء من الكهرباء والتخلص من حجم المعاناة التي استغرقت نحو (20) عامًا، كذلك إعادة التموضع في منطقة شرق أفريقيا بما يؤهلها لكسب أحقية الوصاية (الأفريقية) عبر إقامة صفقات اقتصادية ولو على حساب حجم التعقيدات والأزمات لبعض دول المنطقة، كما فعلت من قبل مع الصومال عندما ذهبت وقامت بتوقيع اتفاق مع قيادة إقليم (صوماليا لاند) لإدارة ميناء بربرة لعشر سنوات في مقابل الاعتراف بأحقية الإقليم في الانفصال عن الحكومة المركزية في مقديشو.
الآن ما ترنو إليه (إثيوبيا) يكاد يتمثل في استغلال وتوظيف الأوضاع والظروف الداخلية التي يمر بها السودان بتركيز على الأرض، عقب تواتر معلومات تفيد بفتح أديس أبابا لحدودها الجنوبية المحاذية لإقليم النيل الأزرق السوداني والقريبة من منطقة (بني شنقول)، للتدريب وتوفير الاحتياجات اللوجستية لعناصر الدعم السريع بهدف تنفيذ ضربات عسكرية بحق السودان في إطار ما يُعرف عسكريًا بسياسة شد الأطراف.
وتُشكّل (الأرض) أهمية بمكان بالنسبة لدولة مثل إثيوبيا، فهي ترى بأن الأراضي السودانية ذات قدرة على الإنتاج مع خصوبة وكفاءة في المنتج، وهو ما سعت إليه حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى تسوية مع حكومة الفترة الانتقالية بالسودان خلال العام 2021م عقب معارك ضارية دارت بين الدولتين حول منطقة (الفشقة) بولاية القضارف، ورفضت الحكومة السودانية وقتها أي مساومة على السيادة الوطنية.
بالمقابل يجد السودان أنه قد وُضع في مواجهة مع تشاد عند الحدود الغربية للدولة بالقرب من إقليم دارفور المشتعل، فهي دولة لم تتوانَ في مد يد العون للدعم السريع وفتح المجال الجوي والأراضي عبر معبر منطقة أدري لانسياب السلاح خلال العامين الماضيين، مما ضاعف من حجم معاناة السودانيين بصورة إنسانية وزاد من مستوى الانتهاكات الإنسانية. تشاد هي الأخرى لها مشروع قديم متجدد تجاه الأراضي السودانية، فهي دولة حبيسة وتحاط بدول تتكدس فيها الأمراض والجوع والفقر، بينما سياسيًا فإن النظام الحاكم قائم على تداخل يجمع ما بين العشيرة ومجموعة كانت حاملة للسلاح في يوم ما، ما جعلها دولة هشة وتقوم وفق الفلسفة الخارجية لسياسات كانت تُرسم في مدينة النور (باريس) وتُطبّق في أنجمينا.
ولكن فور اشتعال الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تغيّرت موازين المعادلة السياسية والاجتماعية، مما كان له أثر في إطار التداخل الحدودي بين الدولتين على مستوى الحركة التجارية، من اعتماد أنجمينا على السودان بواقع 80% من المنتجات الزراعية والمستهلكات الغذائية، وهو ما فاقم حجم الوضع الاقتصادي بالدولة الحبيسة، والذي ولّد جملة من التأثيرات السياسية والأمنية، أهمها عدة محاولات لقلب نظام الرئيس محمد (كاكا) من قبل المعارضة المسلحة.
وينحصر المشروع (التشادي) في الاستفادة من التناقضات التي تعيشها السياسة السودانية تجاه أفريقيا، وحالة الانقسام ما بين الأطراف العربية والأفريقية، وغياب هوية السياسة الخارجية والتحول نحو مصالح استراتيجية تجمع (السودان) مع عدة دول، خاصة تلك صاحبة الحدود المشتركة، وهو ما نتج عنه غياب الثقة، والشك الذي سرعان ما يظهر في خلاف قد ينشب بين الدولتين.
ويؤكد الباحث في الشؤون الأفريقية جمال محمد علي أن من المؤثرات الأمنية على السودان حجم تداخل الحدود وعدم القدرة على ضبط الحركة، خاصة مع المسافات الطويلة التي تجمعه مع بعض الدول مثل إثيوبيا وليبيا ومصر وجنوب السودان وتشاد، وهو ما أفرز واقعًا أمنيًا و(جيوسياسيًا) مغايرًا، استطاعت من خلاله بعض الأطراف المعادية للسودان الاستفادة من تلك المسألة والسعي لضرب العمق الجغرافي للبلاد، عندما أقامت منصات لاستهداف المنشآت الحيوية للدولة على متن الحدود المشتركة مع دول تشاد وإثيوبيا، وهي أمور مثبتة.
ويضيف جمال: بينما يُعتبر عدم وجود استراتيجية واضحة للحفاظ على الأمن الأفريقي المشترك ما بين السودان ومجموعة دول الجوار سببًا في جعل هذه الدول تذهب باتجاه معاداته وعدم الاكتراث لمآلات ما تقوم به في إطار حرب الوكالة على السودان، فالأزمة الآن للحرب لم تعد داخلية فقط، وإنما تحمل بعدًا خارجيًا لاشتراك أطراف لهم من المصالح ومسعى تحقيق المكاسب الكثير، وأي تسوية مرتقبة للنزاع المسلح بالبلاد بالتأكيد ستحاول أن تكون هذه الدول جزءًا منه حفاظًا على مصالحها تلك.
ويشير الكاتب الصحفي والمحلل عبدالرحيم الزمزمي أن أزمة الحدود السودانية من نواحٍ سياسية تحتاج لمعرفة ما تفكر به دول الجوار وسياساتها، حتى نكون قادرين على استيعاب حجم تطلعات مشاريعها، فمن الملاحظ أن السودان الآن متنازع وواقع بين فكي المشروع المصري والإثيوبي، اللذين يحاول كل منهما تسخير كل ما يملك من أدوات ووسائل لاستمالة السودان ناحيته عن طريق اختيار دعم وتمويل كل طرف من أطراف النزاع المسلح، سواء الجيش أو الدعم السريع.
مردفًا بالقول: (قطعًا هذا الأسلوب والطريق خطر على السودان، فهو لن يوقف الحرب بل سيزيد من حجم التعقيدات الداخلية ويضاعف الأزمة الإنسانية، ويرفع من مستوى الخطاب السياسي والإعلامي الذي بات يتجه نحو استخدام الصيغة الجهوية والإثنية في الداخل السوداني). وعليه، يستوجب إعادة النظر في عملية اتفاقيات الحدود مع دول الجوار بما يحفظ حقوق السيادة القومية للدولة، خاصة وأنه بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية فقد برز دور كبير يجب وضعه في الحسبان، وهو حدود السودان المائية الإقليمية، والدور المتوقع أن يلعبه السودان حال عاد الفرقاء لمواجهة مجددًا عقب انقضاء مهلة الأسبوعين وإغلاق مضيق (هرمز) مجددًا، وقتها ستكون الفرصة سانحة للسودان لتسخير موارده المائية لعبور ناقلات النفط بعيدًا عن أي استقطاب جيوسياسي.
وتوقع (الزمزمي) بأن تكون أزمة الحدود المتفاقمة بين السودان ودول الجوار، حال عدم تداركها، سببًا جديدًا لاندلاع مواجهات عسكرية ما لم يتم نزع فتيل الأزمة والإسراع بتدخل بعض الأطراف الإقليمية والدولية لحل الخلاف، فقد يتمسك السودان بحق الرد متى ما ازدادت وتيرة الهجوم عليه من داخل الأراضي الإثيوبية، وعاودت تشاد فتح حدودها لمساعدة الدعم السريع لوجستيًا، حينها ستتسع رقعة (الحرب)، وسيكون لها من التأثيرات والمآلات أكبر مما هو عليه الآن.