منير شريف يكتب: التكاية السودانية… جيش الوطن الصامت وجنوده المجهولون

مالم تقله نشرات الأخبار

منير شريف

التكاية السودانية… جيش الوطن الصامت وجنوده المجهولون

“التكاية” السودانية لم تعد مجرّد مكان يُطهى فيه الطعام.
بل تحوّلت إلى رمز إنساني، إلى بيان يومي صادر من وجدان هذا الشعب، يُوزَّع بلا ختم رسمي، لكنه يُوقَّع بإخلاص على موائد المحتاجين، وفي صفوف العائدين من جحيم الحرب.

التكاية ليست مشروعًا، بل ضميرٌ حيّ :

هي امتداد لثقافة “الضراع المفتوح”، حيث لا يُسأل الضيف عن اسمه، ولا يُهان الفقير بطلب، ولا يُنتظر شكر من أحد.

في كل حي، تجد يدًا تطبخ، وأخرى توزع، وثالثة تنظف المكان،
نساء يطهين تحت حرارة الشمس، شباب ينقلون الطعام في مركباتهم الخاصة، وأطفال يتعلمون أن الكرم ليس ترفًا، بل واجب.

تبرز هذه التكايات كسلطة معنوية،
كمؤسسة عفوية تدير الأزمة بروح المواطن لا بقرارات النُخب،
وبفطرة العطاء، لا بموازنات دولية.

هؤلاء لا يظهرون في المؤتمرات، ولا تُذكر أسماؤهم في نشرات الأخبار.
لكنهم يحفظون للناس كرامتهم،
ويبقون الوطن حيًّا بطبق عدس وقلب أبيض.

تحية لجيشٍ لا يرتدي الزي العسكري،
لكنّه يقف في الصف ذاته، جنبًا إلى جنب مع من يدافعون عن الوطن بالسلاح.
فهم يقاتلون الجوع كما يقاتل الآخرون الرصاص،
ويحرسون السودان من الانكسار الداخلي،
ويثبتون أن الدفاع عن الوطن لا يكون دائمًا من خلف المتاريس، بل أحيانًا من أمام قِدرٍ يغلي، وقلوبٍ تغلي بالرحمة.
وهنا، لا بد من دعوة صادقة للحكومة والمجتمع المدني لتقنين هذه التكايا،
ودعمها رسميًا ولوجستيًا، فهي ليست مبادرات عابرة،
بل مؤسسات نضال حقيقي تحمي النسيج الاجتماعي، وتُعيد بناء ما تهدّم.
ومن يُطعم الناس اليوم، هو شريك في حماية الوطن… بكل ما تعني الكلمة من معنى.

وقد صدق قول الله تعالى: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” [آل عمران: 92]،
وهؤلاء قد أنفقوا من وقتهم، من طعامهم، من أمانهم، ومن أعصابهم، لا يطلبون شيئًا إلا وجه الله وستر الوطن.