
منير شريف يكتب: الذاكرة المنهوبة: كيف تم مسح إرث المدن السودانية في خطاب الإعلام والمليشيا؟
مالم تقله نشرات الأخبار
الذاكرة المنهوبة: كيف تم مسح إرث المدن السودانية في خطاب الإعلام والمليشيا؟
حين تُقصف المدن لا تُهدم الجدران فقط… بل يُطمس تاريخ، ويُغتال وجدان
في زمن الحروب، لا يُستهدف التراب وحده… بل تُستهدف الذاكرة.
ولأن المليشيا لا تقاتل جيشاً فقط، بل تقاتل هوية وطن، فقد لجأت إلى سلاح أبشع من القصف: مسح إرث المدن السودانية من الوعي العام.
الفاشر، نيالا، الجنينة، أم درمان، ود مدني… لم تكن مجرد نقاط على خريطة الدمار، بل كانت مدنًا ناطقة بالتاريخ، متخمة بالرموز، مشحونة بالثقافة.
لكن حين اجتاحها الدمار، لم يسأل الإعلام: ماذا فُقد من ذاكرتنا؟
1. المدن كأوعية للهوية… لا كأرقام على الشريط الإخباري
في كل مدينة سودانية، تراث شفهي، ولهجة، وأغنية، وسوق، وزاوية ضوء لا تتكرر.
حين تسقط هذه المدن تحت سطوة الفوضى، لا تسقط المباني فقط… بل يسقط معها:
• ديوان شاعر لم يُطبع بعد
• نقش على جدار مدرسة بناها الجدود
• وتاريخ محلي لا يوجد في الكتب، بل على لسان كبار السن
لكن الإعلام الذي اكتفى بنقل أخبار “التطورات العسكرية”، لم يسأل:
من سيحفظ ذاكرة هذه المدن حين تُمحى معالمها وتُهجّر أرواحها؟
2. المليشيا وتكتيك “إعادة تشكيل الوعي”
لا يكتفي الطغاة بالخراب… بل يسعون لكتابة رواية جديدة عليه.
المليشيا عندما تدخل مدينة، لا تُدمّرها فحسب، بل تسوّق خطابًا جديدًا:
• “تحرير لا احتلال”
• “محرومون يستعيدون حقوقهم”
• “صراع قبلي لا علاقة له بالمليشيا”
بهذا تُطمس مسؤولية الخراب، ويُعاد إنتاج سردية مزيفة تتبرأ من الجريمة، وتلصقها بالضحية.
3. الإعلام… حين يتواطأ بالصمت أو الحياد
أين هي التقارير التي تحكي كيف تحوّلت الجنينة من مدينة السلام والتعايش إلى مسرح للمقابر الجماعية؟
من يكتب اليوم عن السوق الكبير في نيالا، الذي احترق كما تحترق الذاكرة؟
من يُوثّق كيف تغيّرت لهجة الأطفال في الأحياء التي احتلتها المليشيا… بعد أن هُجّر معلموهم ومشايخهم وأئمتهم؟
الإعلام “المحايد” اليوم يشبه من يشاهد منزلك يُنهب، ثم يقول: ربما هم يبحثون عن مأوى.
4. ما لا تقوله النشرات: المدن لا تموت إلا إذا نسيناها
الخراب لا يصير كارثة… إلا إذا سكتنا عنه أو قبلنا بتأويله المزيّف.
وما لا تقوله النشرات أن الحرب التي تُخاض ليست فقط على الخرطوم، بل على ذاكرة كل مدينة قاومت، واحتضنت، وعلّمت.
واجبنا أن نحفظ الذاكرة كما نحفظ الأرض
لن تُعيد الكاميرات ما سُرق من الذاكرة…
لكن الكلمة، والشهادة، والتوثيق الصادق، قادرة أن تقول:
“نحن نعرف ما حدث… ونعرف من فعل.”
وهذا في ذاته مقاومة.
فمن لا ذاكرة له… لا مستقبل له