منير شريف يكتب: حين يفضح اللسان ما تخفيه النوايا

مالم تقله نشرات الاخبار

“حين يفضح اللسان ما تخفيه النوايا”

في خضم المعركة المصيرية التي يخوضها السودان دفاعاً عن وجوده وهويته، يخرج عبد الله حمدوك – الذي كان في يوم ما على رأس حكومة انتقالية – بتصريح غريب يقول فيه: “القوات المسلحة السودانية كانت تتمتع بتفوق جوي، أما الآن فقد تضاءل، ولم يعد هناك مكان آمن في البلاد.”

هذا التصريح، على سطحه، يبدو كتحليل سياسي أو توصيف للوضع، لكن المتأمل فيه بعين الفطنة يدرك أنه ليس سوى اعتراف صريح – وإن جاء على استحياء – بنيّة مبيتة لطالما اشتغلت بها دوائر “الناشط السياسي”، ومن خلفهم الغرف الاستخباراتية التي تعبث بمستقبل السودان.

فماذا يعني أن تقول إن “التفوق الجوي تضاءل”؟
إنه قول لا يصدر عن مراقب محايد، بل عن طرف كان يضمر الضيق من هذا التفوق، ويطمح إلى إنهائه، بل سعى في المحافل الدولية بكل الوسائل لإيقافه عبر مطالب متكررة لحظر الطيران العسكري. حمدوك ومن شايعه لم يكن يوماً على مسافة واحدة من الوطن، بل وقف حيث تقف المليشيا، ناعياً “التوازن” حين كانت السماء في صف الدولة، وصامتاً حين تمطر الأرض شتاتاً ودماراً بفعل الهمجية المليشياوية.

هذا التصريح لا يُدان فيه الجيش، بل يُدان فيه صاحبه.
لأنه يكشف ما خفي من النوايا: كان التفوق الجوي، وهو سلاح السيادة الوطنية، يمثل عقدة في حلق المشروع المضاد للدولة. واليوم حين يُقال إن هذا التفوق تراجع، فالمعنى الضمني الذي يتهامس به أصحاب هذا الخطاب هو أن “فرص الانقضاض” باتت سانحة.

لكن هيهات.

الجيش السوداني لا يُقاس بالترسانة وحدها، بل بالعقيدة التي يحملها رجاله، وبالإيمان العميق بأن الحفاظ على الوطن فريضة لا تسقطها تصريحات اليائسين، ولا دعوات الهاربين من الميدان. التفوق الحقيقي ليس في الطيران وحده، بل في ثبات الجندي الذي يعرف لماذا يقاتل، وأين يقف.

وحين يقول حمدوك إنه لم يعد هناك مكان آمن، فهو يعبّر عن حالة نفسية تعكس الفوضى التي شارك في صنعها، يوم سلّم مفاصل الدولة لذات الجهات التي تشن اليوم الحرب على السودان باسم “الثورة”.

في الختام:

يا من تحدثت عن التفوق الجوي وكأنك تأسفت عليه…
نحن لا نأسف إلا على وطن خُدع ببعض أبنائه، ممن باعوا المواقف في سوق الوهم، وتاجروا بالأزمات لصالح مشاريع لا تعرف للسيادة معنى.

السماء ستعود لنا، لأن الأرض ما زالت تنبض بالرجال.
ولن يُطفأ نور الجيش، وإن تكالبت عليه البيانات، فالميدان أصدق من كل نشرات الخداع.