منير شريف يكتب: لم تكن سجونًا… بل مذابح للمواطنين ..

مالم تقله نشرات الأخبار

لم تكن سجونًا… بل مذابح للمواطنين ..

في قلب المعاناة، وفي زنازين لا ترى النور، كانت تُسطر واحدة من أبشع فصول الظلم في تاريخ السودان الحديث. زنازين مليشيا الدعم السريع المتمردة لم تكن مجرد أماكن احتجاز، بل كانت مقابر للكرامة، يُساق إليها خير رجال ونساء السودان بلا ذنب سوى حب الوطن والانتماء له.
كانت تلك الزنازين شاهدة على صرخات لم يسمعها العالم، وعلى أجساد أنهكها التعذيب، وعلى أرواحٍ واجهت الموت واقفة، لكنها ما انكسرت.
لقد تكشفت، بعد التحرير، شهادات موجعة من ناجين خرجوا بأعجوبة من سجون الظلام، تحدثوا فيها عن تجارب تفوق الوصف وتكاد تقطع نياط القلب. أحدهم قال:
“كنا نُعامل كأننا لسنا بشرًا… كنت أسمع صراخ المعتقلين من الزنازين المجاورة ليل نهار… لا تهمة واضحة، لا تحقيق، فقط تعذيب وإذلال ممنهج.”
وكانت المعتقلات أكثر فظاعة في حق النساء. نساء سودانيات مناضلات، من إعلاميات، وطبيبات، وطالبات، تم اعتقالهن واقتيادهن إلى زنازين العار، حيث مُورست ضدهن أبشع أنواع الترويع النفسي والجسدي. إحداهن روت:
“أدخلونا غرفة ضيقة لا تهوية فيها، لا طعام إلا فتات، وكانوا يتعمدون إطلاق الشتائم والإهانات طوال الوقت… كنا نقرأ الفاتحة كل ليلة استعداداً لموت قد يأتي في أي لحظة.”
هكذا كانت المليشيا تتعامل مع الأحرار: خطف، تعذيب، تهديد بالقتل، ومحاولات لكسر الإرادة. لم تكن تلك الزنازين أماكن لعقوبة مجرمين، بل مصائد لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولنساء أبينَ إلا أن يكنّ في صف الوطن لا ضده.
بل الأدهى من ذلك، أن تلك الزنازين كانت أحيانًا داخل منازل المواطنين التي تم احتلالها عنوة وتحويلها إلى مراكز اعتقال غير شرعية، يُخفى فيها النشطاء والمقاومون وأفراد من الجيش والشرطة. وكانت هناك شهادات عن استجوابات تمت تحت وطأة الضرب بالكهرباء، والتعليق، والحرمان من النوم والطعام. كل هذا، على يد عناصر لا تنتمي لهذا الوطن لا في السلوك ولا في الانتماء.
لقد نجا البعض بقدرة الله وحده، وخرجوا ليرووا فصول الجحيم، لكن كثيرين لا تزال صورهم غائبة، ولا يُعرف مصيرهم. وهناك من استشهدوا داخل تلك الزنازين، ولم تجد جثامينهم طريقًا إلى قبور تليق بهم. قُتلوا كما يُقتل المجهول، ودفنوا في أماكن لا تعرفها حتى الأرض التي دافعوا عنها.
هذه الجرائم، ليست فقط ضد الأفراد، بل ضد الروح السودانية نفسها. زنازين المليشيا لم تكن فقط أوكارًا للتعذيب، بل كانت محاولة لإسكات صوت الوطن، وخنق نَفَس الحرية، وتحطيم العزيمة التي ظلّت تنبض في صدور السودانيين.
لكن هيهات…
فما من ظلام إلا وله نهاية، وقد انكشفت الأقنعة، وسقطت الشعارات المزيفة، وبقي صوت الضحايا أعلى من أي مزاعم.
إن دماء من قضوا في تلك الزنازين لن تذهب سُدى.
وإن من نجا ليحكي، إنما يحمل أمانة الشهادة والتوثيق، ليكونوا جدار صد أمام محاولات نسيان الجرائم أو التلاعب بالحقائق.
العدالة يجب أن تأخذ مجراها.
والتوثيق واجب، والتاريخ لن يرحم الصامتين.
هذه الزنازين، التي أرادوا أن تكون قبورًا للكرامة، ستتحول إلى شواهد نصر، تروى للأجيال، وتُلهب القلوب لتبقى الراية مرفوعة، لا تنكّس.
المجد للشهداء…
والعار للخونة وكل من رضي أن يكون أداة لقهر أبناء وطنه.
السودان باقٍ… أقوى مما يظنون