صديق البادي يكتب: لماذا المماطلة وتأخير تكوين المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية؟!

لماذا المماطلة وتأخير تكوين المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية؟!

صديق البادي
ان دولاً عديدة نهضت وتقدمت وارتقت قمماً سامقة بعد أن دمرت كثير من بنياتها الأساسية ومرت بظروف صعبة حالكة السواد فرضتها حروب ضدها أنهكتها. وعلى سبيل المثال فإن اليابان ضربت فيها هيروشيما وناجازاكي بقنابل ذرية وحوربت حرباً اقتصادية شعواء ولكنها تجاوزت كل ذلك بالتخطيط السليم والهمة العالية ووحدة الصف والإرادة الفولاذية الصلبة واتجه مواطنوها جميعا للعمل والانتاج بلا ثرثرة وضجيج فارغ وصراع حول كراسي السلطة كما يحدث في السودان المنكوب بنوع من السياسيين الذين لا تقل خطورتهم عن خطورة المتمردين المجرمين حاملي السلاح (ليس كل السياسيين بالطبع). وقد أضحت اليابان في زمن قياسي دولة صناعية كبرى ذات قوة اقتصادية هائلة رغم أنها لا تملك من الموارد والمواد الخام عُشر ما يملكه السودان. وألمانيا عانت من ويلات الحرب العالمية الثانية وقسمت لدولتين هما ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية واستطاع الألمان بقوة الارادة ومضاء العزيمة تجاوز ويلات الحرب وآثارها المدمرة ونهضت ألمانيا وأصبحت من دول المقدمة وعادت اللُحمة واتحدت الدولتان في دولة واحدة. ورواندا شهدت حرب إبادة بشعة وفي زمن قياسي ضمدت جراحها وبقوة العزيمة وصلابة الارادة نهضت وأصبحت دولة متطورة ذات شأن.
والسودان يملك من الثروات الهائلة المتنوعة والموارد الضخمة الهائلة والعقول النيرة والخبرات الرفيعة في كافة المجالات والسواعد الفتية القوية ما يؤهله لأن يصبح رقماً اقليمياً ودولياً ومورداً اقتصادياً وسلة غذاء له وللمنطقة ولكن الأعداء تكالبوا عليه طمعاً في السيطرة على موارده وخططوا ودبروا ووفروا امكانيات ضخمة لحرب يمكن ان تدمر قارة كاملة لا قطراً واحداً وشهد السودان في الخمسة وعشرين شهراً المنصرمة أقذر وأحط حرب ليس لها مثيل في تاريخه الطويل بل في تاريخ البشرية كلها وفي نهاية المطاف انتصر الجيش السوداني الباسل بمؤازرة القوات المشتركة والمستنفرين وكل الشعب السوداني وقريباً سيتم بإذن الله الانتصار في الفاشر وكل دارفور وهذه الانتصارات ينبغي أن تدرس بكل حيثياتها وتفاصيلها في كل الكليات العسكرية ومراكز الدراسات في العالم لو كان هناك انصاف وأن يوثق لها مؤرخون وموثقون عسكريون كما فعل تشرشل في كتابه حرب النهر عن معركة كرري التي كتب عنها الرائد عصمت زلفو كتاباً كان يعتبر من أفضل الكتب التي كتبت ونشرت في السودان في القرن العشرين. والقلة التي انتصرت على الكثرة بسبب الخبرات العسكرية التراكمية والمؤهلات الرفيعة والقدرات التكتيكية والاستراتيجية ينبغي أن يكتب عنها ما يضاهي ما كتب عن الجنرالين مونتغمري وروميل ثعلب الصحراء بعد انتهاء الحرب العالمية. وكما يقولون (الما بتلحقو جدعو) وأخذ من لحقت بهم الهزيمة يقومون بعمليات تخريبية تدميرية بقذف المنشآت الحيوية (المطارات – محطات توليد الكهرباء – مستودعات الغاز والطاقة – ومحطات المياه) بالمسيرات. وادعوا زوراً وكذباً أن الجيش استعمل اسلحة كيماوية وهذه فرية وكذبة لا تنطلي حتى على الأطفال وقد تم تصوير جثث متفحمة بمصفاة الجيلي نتيجة اشتعال الغاز والنيران فيها ونشروا هذه الصور وادعوا أن هذا حدث نتيجة استعمال أسلحة كيماوية. والعالم كله أدرك فشل المخطط الكبير الآثم الخبيث لتركيع السودان ليكون تحت الوصاية الأجنبية الاستعمارية لتغدو كل ثرواته وامكانياته الهائلة تحت قبضتهم وسيطرتهم ورهن اشارتهم في ظل حكومة ضعيفة هزيلة تخضع لهم وتكون ذيلاً ذليلاً تابعاً لهم وقد انتصر السودان عسكرياً وتبقت جيوب يمكن القضاء عليها وانهاء الحصار على الفاشر وهذه هي الانتصارات على الصعيد العسكري. وان بعض العسكريين كانوا ناجحين في الحرب وفي السلم وفي العسكرية وفي العمل التنفيذي المدني ومنهم الجنرال ايزنهاور الذي أبلى في الحرب العالمية الثانية وتولى بعد ذلك بالفوز في الانتخابات رئاسة الجمهورية في الولاية المتحدة الامريكية بين عامي 1952-1960. ومن العسكريين أيضاً الجنرال ديجول الذي أنهى فوضى سياسية اجتاحت فرنسا وتولى منصب رئيس الجمهورية في الفترة بين عامي 1958-1968 وأرسى بنجاح فائق دعائم الجمهورية الخامسة. ويوجد عسكريون قد ينجحون في المجال العسكري ولكن قدراتهم في السياسة والادارة والحكم ضعيفة ويوجد من ينجح في المجالين. ومرحلة ما بعد الحرب في السودان تقتضي حزماً وقوة وصرامة في الدفاع عن حياض الوطن وسيادته وعزته والحفاظ على أمنه القومي ويتطلب هذا وجود عسكريين في السلطة السيادية على رأس الدولة ويمكن أن يشاركهم في مجلس السيادة عدد من المدنيين مع ضرورة وجود رئيس للوزراء من المدنيين تنحصر مهامه في العمل التنفيذي كما ظل يحدث في مصر منذ قيام ثورة يوليو عام 1952م وما بعدها حتى الآن.
ونرجو عدم تضييع وقت رئيس الوزراء الجديد في استقبال ووداع ومخاطبة وفود التهنئة التي يأخذ بعضها بخناق بعض وربما يحمل بعضهم معهم قصائد مدح فيها تزلف وتودد للقادم الجديد. ونرجو أن يتركوه ليتلمس طريقه في هدوء ويقف عملياً على الواقع الماثل لتتضح له الرؤية. والمرحلة الانتقالية الجديدة التي أطلت تختلف عن المرحلة الانتقالية التي طالت وآن أوان انطواء صفحتها ونأمل ألا تكون في المرحلة الجديدة صراعات حول كراسي السلطة بين من يتنابذون بالألقاب (قحاتة – فلول – أحزاب صفرية أو شبه صفرية تريد أن تكون وصية ومتسلطة على الشعب السوداني بلا وجه حق – وأحزاب أنهكها طول المسير وأضحت كالخيول المسنة المتعبة وأصبحت أيضاً كالأطلال والدمن الخوالي فكلها تحتاج لإعادة بناء جديد). ودكتور عبد الله حمدوك كانت له حاضنة سياسية تسنده وتتحكم فيه هي قحت أما القادم الجديد دكتور كامل ادريس فهو بلا حاضنة سياسية تسنده وكان الأفضل والأمثل هو تكوين المجلس التشريعي الانتقالي قبل تعيينه أو تعيين غيره وقد تأخر تكوين هذا المجلس كثيراً والضرورة الملحة تقضي بضرورة تكوينه فوراً لتكون لجانه المتخصصة بخبرائها وعلمائها ومختصيها هي التي تضع البرامج والخطط والسياسات للجهاز التنفيذي ويقوم المجلس التشريعي بعضويته الكلية المكونة من كل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي بمحاسبة ومراقبة أداء الجهاز التنفيذي. وأعلن أن السيد رئيس الوزراء الجديد ستؤول إليه سلطات وصلاحيات كثيرة ولكن السؤال الملح هل سيعمل بمفرده ويقرر ما يشاء وحده أم تكون له أذرع مساعدة ممثلة في المجلس التشريعي ولجانه المتخصصة أم أن سيادته سيقضي وقته في استقبال الوفود والزوار من الداخل والخارج مع اصدار قرارات تحمل توقيعه فقط وتذاع باسمه وتنشر على الملأ بإعفاء فلان وتعيين فلتكان ليبدو مظهراً لا مخبراً للجميع في الداخل والخارج أنه هو الذي يعين ويقيل ويتخذ ما يشاء من قرارات ويتحول المنصب لموقع ديكوري … وان تكوين المجلس التشريعي الانتقالي والمحكمة الدستورية ينبغي أن يتم فوراً بلا إبطاء وتأخير لتكتمل أركان النظام الحاكم (سلطة سيادية وسلطة تنفيذية و سلطة تشريعية وسلطة عدلية). والخراب والدمار الذي أحدثته الحرب اللعينة يقتضي أن يتجه الجميع للعمل والانتاج ومضاعفة الجهد أضعافاً مضاعفة ونحن الآن على أبواب العروة الصيفية وفصل الخريف ويجب أن تتضافر الجهود لإنجاحه بتوفير التمويل وكل المدخلات في كافة المشاريع المروية في كل أرجاء القطر وعلى رأسها مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل شيخ المشاريع مع إيلاء أقصى درجات الاهتمام بالزراعة المطرية والآلية في شتى أنحاء البلاد وينسحب هذا على كافة مجالات العمل.
وهناك روح انهزامية عند البعض بترديدهم أن اصلاح ما دمر وخرب يحتاج لسنوات طويلة ويشيعون روح اليأس ولكن إذا شمر الجميع عن سواعد الجد وتضافر الجهدان الرسمي والشعبي فإن الاصلاح يمكن أن يحدث في زمن قياسي وجيز ولابد من (النفير الجماعي .. النفير الجماعي .. النفير الجماعي) لنظافة الشوارع والأحياء وإزاحة الجثث من الشوارع ودفنها وقتل الكلاب الضالة التي أكلت لحوم البشر وتنقية المياه من التلوث وإزالة وتفجير الألغام في كل مكان يشتبه أن توجد فيه. وقيام اللجان الشعبية في كل قرية من قرى السودان وفي كل حي بكل المدن بترميم المدارس والمشافي … الخ والعمل بذات همة اليابانيين والألمان والروانديين دون الركون لليأس (والنقنقة) التي لا تجدي ولا تفيد.