
عامر باشاب يكتب: قصة نزوحي الداخلي من مطر بلا براق إلى بحر بدون ساحل..!!
قصر الكلام
عامر باشاب
قصة نزوحي الداخلي من مطر بلا براق إلى بحر بدون ساحل..!!
حرب خراب الخرطوم، المفاجأة الفاجعة التي أعلن من أشعلوا شرارتها الأولى بأنها (مطر بلا براق)، إشارةً منهم لكثافة نيرانهم التي استهدفت كل شيء، وعليه تبقى هذه الحرب الحارقة، على الرغم مما فعلت بالبلاد والعباد من تشوهات ظاهرة وباطنة، قدرَ الله أن يكون فيها خيرٌ كثير، وكل من تأثر بهذه الحرب اللعينة لو فكر وقدّر وتدبر لوجد الخير حوله من حيث لا يحتسب.
بالنسبة لي، رشاش مطر هذه الحرب، أو بالأصح هطول رشاشات مدافعها العنيفة، أبعدتني مكرهاً من أحب مكان، ألا وهو مسجد الخرطوم العتيق (أرباب العائد) (فاروق)، الذي شاءت أقدار الله أن تحبسني نيران وقذائف الحرب في تلك البقعة الطاهرة شهر وثلاثة أيام، وكنت من الفائزين، إذ أحسن بي ربي وأخرجني بلطفه وفضله وتوفيقه من هناك، حيث قادتني رياح تلك المطر الطاردة بجحيمها إلى بحر بدون ساحل بمدينة المناقل. (إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العزيز الحكيم).
نعم، لقد لجأت إلى المناقل نازحاً للداخل، قاصداً شقيقي “محمد الأمين”، ومن باب دخلوا البيوت من أبوابها، فإذا بسفينة الخير ترسي بي على ساحل بحر القرآن الكريم وتعظيم سيرة النبي الكريم (مسيد ود البحر)، وبوابة المدينة سماحة فضيلة أبونا الشيخ “أحمد ود البحر”، للقلايل الذين لا يعرفونه، طراز فريد لرجال الدين ومثال نادر لسادة وقادة الطرق الصوفية، الأتقياء الأنقياء الأصفياء، وهو بالحق بحر بدون ساحل، بحر الفضائل والكرم، سمح الخصائل، والفهم الحامي (الفرائض) والقيم، سليل متوالية الصالحين السابقين بالخيرات والبركات والكرامات.
وعلى طريقة الصحابية الجليلة (أم معبد الخزاعية) في وصفه، أبرز علامة: فارع القامة، عالي الهامة والاستقامة، ينام ويصحو بنور القرآن آناء الليل وأطراف النهار، ويضحي ويمسي بالذكر والشكر، ولذلك تجد وجهه مضيئاً دوماً بالابتسامة، قلبه مفتوح وصدره مشروح، وأبواب مسيده مشرعة بالترحاب والحباب، تحتضن القاصي والداني من كل مكان أياً ما كان، وعدد ما يكون، يستقبل الجميع هاشّاً باشّاً، يستضيفهم (بدون نقاش)، يشملهم بالرعاية والعناية.
يطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً وأبناء سبيل (نازحين وفارين)، لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً، وفوق هذا وذاك أياديه البيضاء ظلت ممدودتين بالخير الوفير للأسر المتعففة، يكيل (بالربع الكبير) يسد حاجتهم، كل هذا وكثير غيره من حر ماله ومن خير (بلداته).
كذلك من مكارم الأخلاق التي ورثها سماحة أبونا الشيخ ود البحر، يمثل الأسوة الحسنة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنزال الناس منازلهم، يكرم الضيوف ولو كانوا بالألوف، ويعز حفظة كتاب الله، ويعظم ويعلي شأن من تعلم القرآن وعلمه.
لهذا ولكثير غيره، يبقى سماحة الشيخ (ود البحر) بحر المناقل وما حولها، الفائض بالخير الوفير، وشمسها الساطعة والمتوهجة بنور التقوى والصلاح والفلاح. وهنالك أقمار مضيئة تحيط به على ذات مدار الصلاح والفلاح والإصلاح، أبرزهم الرجل الأصيل، الشيخ الشهم النبيل شيخ “المكي”، وهناك كبير (مسجد المناقل الكبير)، العالم الجليل (زين الزينين فقيه العلماء ومعلم الفقهاء) شيخ الزين، وهنالك أيضاً الشيخ الشاب الهمام الدسيس، والشيخ عوض الله، وغيرهم من مشايخ الطرق الصوفية وقادة الخلاوي والعلماء وخطباء المنابر وأئمة المساجد وشيوخ الحلقات.
أما أبناؤه وأحفاده وحيرانُه، خيار من خيار، يسيرون على ذات النهج القويم، يجمعون ما بين أسماء وأخلاق الأنبياء والصحابة، يبذلون كل جهدهم وطاقتهم ووقتهم ليلاً ونهاراً بدون كلل وبلا ملل، في خدمة سماحة أبونا الشيخ ود البحر، وإكرام ضيوفه ومحبيه بصدور رحبة ووجوه نضرة ضاحكة مستبشرة وقلوب مشرقة مشرعة.
اللهم أكرم سماحة أبونا الشيخ أحمد ود البحر بقدر ما أكرمنا وتفضل به علينا من أدب الدنيا والدين، وبقدر ما شملنا بالرعاية والاحتواء والاحتفاء، وبقدر ما أعطانا من بركات ونفحات وروحانيات أزالت كل ما في دواخلنا من تشوهات هذه الحرب اللعينة، وقوّت صبرنا بفضل فضيلة اليقين.
خلّتنا نظل ذي ما كنا، نحنا يانا نحنا، لا غيرتنا الظروف ولا هدّتنا محنها.