
عبد اللطيف السيدح يكتب: هل تعاد عملية فرز عطاء خدمة حجاج السودان بالمشاعر المقدسةأم سبق السيف العذل؟
من الشرفات
عبد اللطيف السيدح
هل تعاد عملية فرز عطاء خدمة حجاج السودان بالمشاعر المقدسةأم سبق السيف العذل؟
عودٌ على بدء مع ملف حج عام 1447هـ، حيث ظنّ كثيرون أن هذا الملف الشائك قد وجد طريقه أخيراً إلى قدر من الاستقرار بعد التصريح الهادئ والمسؤول لفخامة نائب رئيس مجلس السيادة الفريق مالك عقار، الذي أشاد فيه بالموقف الشجاع للأمين العام المستقيل للمجلس الأعلى للحج والعمرة الأستاذ عبد الله سعيد، ورحّب بالأمين العام المكلف لإنقاذ الموسم باعتباره ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل، مع تثمينه لمهنية الأستاذ عمر مصطفى، وتأكيده الواضح أن المنصب حق أصيل لإقليم النيل الأزرق، سيشغله أحد أبنائه الأكفاء عقب نهاية الموسم الحالي. مضت الرسائل في حينها مطمئنة، وبدا أن الدولة تمسك بالخيط الرفيع بين إنقاذ الموسم واحترام الحقوق الإدارية والسياسية، لكن كما في كل مرة، خرجت تفاصيل الشيطان من بين السطور، ليقع الناس من جديد في امتحان آخر، نسأل الله أن يكون العبور منه بلا خسائر، حتى لا تزداد الأمور تعقيداً وتراكماً.
خلاصة المشهد أن اجتماعاً عُقد في بورتسودان برئاسة وزير الشؤون الدينية والأوقاف، وبحضور الأمين العام المكلف وأمناء أمانات الحج والعمرة بالولايات، خُصص لاختيار الشركة السعودية التي ستُشرف على خدمة حجاج السودان في المشاعر المقدسة، من إسكان بالمخيمات إلى الإطعام. تقدمت عدة شركات بعطاءاتها وفقاً للكراسة المعلنة، وتمت دعوة رؤساء وممثلي الشركات لحضور الاجتماع عبر الاتصال المرئي والمسموع باستخدام تطبيق «زووم»، وظهرت صور المجتمعين بالفعل، في مشهد أوحى في بدايته بأن الأمور تسير وفق قواعد الشفافية والإجراءات المتعارف عليها. غير أن هذا الانطباع سرعان ما تلاشى، حين قُطع التواصل فجأة بين بورتسودان ومكة المكرمة، وبقي ممثلو الشركات ساعات طويلة متسمّرين أمام شاشاتهم وفي مكاتبهم، ينتظرون عودة الاتصال التي لم تأتِ، قبل أن تصلهم الأخبار عبر الهواتف بفوز إحدى الشركات بالمناقصة.
والأخطر من إعلان النتيجة بهذه الطريقة، ما تسرّب من معلومات عن أن طرفاً ما داخل البعثة طلب من الشركة الفائزة تخفيض مبلغ 300 ريال حتى تتمكن من الفوز على بقية الشركات، دون إخطار المنافسين الآخرين أو فتح باب تعديل العطاءات للجميع على قدم المساواة. هذا السلوك، إن صحّ، لا يضرب فقط مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، بل ينسف من أساسه فكرة المنافسة الشريفة، ويحوّل العطاء من إجراء مؤسسي إلى صفقة مغلقة. وزاد من حدة الشكوك أن الشركة الفائزة ترتبط بعقد غير ملزم مع بعثة الحج السودانية لمدة ثلاث سنوات، انتهى منها موسمان ولم يتبقَّ سوى هذا الموسم، وهو عقد صاحَبَه خلال الموسمين الماضيين كمٌّ معتبر من الملاحظات والشكاوى، سواء من الحجاج أنفسهم أو من رؤساء بعثات الحج بالولايات، حول مستوى الخدمات المقدمة في المشاعر، ورغم ذلك، وبقدرة قادر، وبشرعنة واجتهاد من أحد مسؤولي البعثة، عادت الشركة ذاتها لتفوز بخدمة حجاج السودان، في مشهد يجعل الناس يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً مشروعاً من تكرار تجربة الموسم الماضي، بكل ما حملته من إخفاقات ومعاناة.
القضية هنا لا تتعلق بشركة بعينها بقدر ما تتصل بجوهر عملية الفرز والاختيار، وبمدى احترام المؤسسات المعنية لحق الحاج السوداني في خدمة تليق بكرامته، وحق الشركات المتنافسة في إجراءات واضحة ومعلنة لا لبس فيها. فحين تُدار عطاءات بهذه الحساسية في غرف مغلقة، أو تُقطع فيها الاتصالات فجأة، أو تُجرى تعديلات جوهرية على الأسعار دون علم جميع الأطراف، فإن النتيجة الطبيعية هي اهتزاز الثقة، ليس فقط في هذا العطاء، بل في المنظومة كلها.لذلك يطالب كثير من المراقبين، عن حق، بإعادة النظر في حزمة خدمات الحجاج بالمشاعر المقدسة، وإعادة عملية فرز العطاءات من جديد، وبكل شفافية، ويفضّلون أن تتم العملية في مكة المكرمة وبحضور جميع الشركات، أسوة بما ستفعله البعثة بكل شفافية في ملف حزم خدمات الإسكان والنقل والإعاشة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
إن إنقاذ موسم حج لا يكون بالمسكنات ولا بتدوير الأزمات، بل بإجراءات واضحة، ومساءلة شجاعة، وقطع الطريق أمام أي شبهة تضارب مصالح أو اجتهاد فردي يفرض إرادته على حساب النظام.
وحج السودانيين ملف سيادي وأخلاقي قبل أن يكون إدارياً، وأي خلل فيه لا يُقاس بالأرقام فقط، بل بدموع الحجاج وتعبهم ودعواتهم. ومن هنا، فإن إعادة الفرز بشفافية ليست ترفاً ولا استجابة لضغط، بل واجبٌ لحماية ما تبقى من الثقة،وضمان ألا يدفع الحاج السوداني مرة أخرى ثمن أخطاء كان يمكن تفاديها لو أُحسن الإصغاء لصوت العقل والعدل منذ البداية.
قفلة.
نجاح الموسم يقاس بإنزال حجاج السودان من مخيمات الجبال.