
إبراهيم شقلاوي يكتب: حرب الذاكرة الوطنية والتاريخ
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
حرب الذاكرة الوطنية والتاريخ
حرب السودان في أحد أخطر تجلياتها كشفت عن معركة تدور حول الذاكرة والهوية والتاريخ. فالاستهداف الممنهج للآثار والمتاحف ودور الوثائق لم يكن فعلًا عشوائيًا، وإنما حلقة في سلسلة تهدف إلى تفريغ الدولة من تاريخها الإنساني، وقطع الصلة بين المجتمع وجذوره الحضارية، تمهيدًا لإعادة تشكيل الوعي خارج السياق الوطني.
في هذا المنحى، تكتسب عملية استرداد (570) قطعة أثرية سودانية، وما رافقها من مواقف رسمية صادرة عن وزارات المالية والثقافة والإعلام، وجهاز المخابرات العامة، وبحضور إقليمي ودولي ممثل في منظمة اليونسكو، دلالة تتجاوز بعدها الاحتفالي إلى الحدث السياسي بامتياز. فهي تعيد طرح سؤال الدولة في لحظة انهيار المعنى: هل الدولة مجرد سلطة تدير الحاضر، أم كيان يحرس الماضي ويؤمّن المستقبل؟
تصريحات وزير المالية د. جبريل إبراهيم، التي شدد فيها على الحصر الشامل للآثار المنهوبة وإطلاق حملة وطنية للتوعية بقيمتها، تعكس إدراكًا متقدمًا لطبيعة الصراع الجاري. فالآثار ليست مجرد شواهد تاريخية، بل رصيد استراتيجي للهوية الوطنية، وعنصر من عناصر الأمن القومي الثقافي. واستهدافها خلال الحرب لم يكن سوى محاولة واعية لطمس السردية التاريخية للسودان، وإعادة تقديمه كأرض بلا جذور، يسهل إعادة تشكيلها وفق المصالح والأطماع الخارجية.
هذا الفهم يتقاطع مع ما أكده وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الاعيسر، حين وضع حماية الآثار في مصاف المعارك السيادية. فالدفاع عن الذاكرة لا يقل شأنًا عن الدفاع عن الأرض.
السيادة، في معناها الحديث، لم تعد حكرًا على الجغرافيا والسلاح، بل تمتد إلى حماية الرموز والمعاني ومخزون الذاكرة الجمعية التي تمنح الدولة مشروعيتها الأخلاقية والتاريخية.
ومن زاوية تنموية، فإن استعادة الآثار تمثل شرطًا تأسيسيًا لأي مشروع لإعادة بناء الدولة بعد الحرب. فالتنمية لا تبدأ من الطرق والخدمات وحدها، بل من ترميم العلاقة بين المجتمع وتاريخه، ومن استعادة الإحساس بالاستمرارية الحضارية. دولة بلا ذاكرة هي دولة بلا بوصلة، مهما امتلكت من موارد.
ما تعرض له المتحف القومي السوداني، بما يحويه من واحدة من أكبر المجموعات النوبية في العالم، ومومياوات تعود إلى ما قبل 2500 عام قبل الميلاد، وآثار ممالك كوش وعلوة وغيرها، يكشف أن الحرب تجاوزت الأطماع في الذهب والموارد إلى استهداف كيان الدولة وارثها الحضاري.
فالنهب والتهريب وظهور بعض القطع في الأسواق الإلكترونية أو خارج الحدود لا يمثل جريمة ثقافية فحسب، بل اعتداءً مباشرًا على حق السودانيين في معرفة تاريخهم وصياغة مستقبلهم انطلاقًا منه. وهو اعتداء يرتبط بشبكات إقليمية ودولية تستفيد من اقتصاد الحرب، وتتعامل مع التراث بوصفه سلعة لا ذاكرة إنسانية.
وتزداد خطورة هذا الاستهداف إذا وُضع في سياق كون السودان يضم مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، مثل جبل البركل ومروي والنقعة والمصورات.
فتهديد هذه المواقع لا يمس السودان وحده، بل يطال الإرث الحضاري الإنساني بأسره. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذه الجرائم لم تحظَ بالاهتمام الإعلامي الإقليمي والوطني الكافي في لحظتها، وكأن الوعي العام لم يدرك بعد أن ما يُسرق هنا ليس تماثيل وأحجارًا، بل فكرة الوطن نفسها وتاريخه.
التجربة السودانية السابقة في إنقاذ آثار النوبة إبّان بناء السد العالي، ثم خلال إنشاء سد مروي، تقدم نموذجًا لدولة كانت تدرك أن الحداثة لا تُبنى على أنقاض الذاكرة، بل بالتوازي معها. تلك اللجان العلمية بعضوية الخبراء لم تكن ترفًا أكاديميًا، بل تعبيرًا عن وعي سياسي يعتبر التاريخ أصلًا من أصول التنمية.
ما جرى خلال هذه الحرب من نهب المتاحف ودار الوثائق القومية، ومحاولات تهريب الآثار عبر الحدود، يكشف أن الاستهداف لم يكن داخليًا فقط، بل جزءًا من نمط معروف في حروب التفكيك الحديثة، حيث تُضرب الذاكرة تمهيدًا للسيطرة على الوعي. هنا تتجلى أهمية الدور الذي لعبه جهاز المخابرات العامة بوصفه فاعلًا في معركة حماية الهوية، لا مجرد جهاز أمني تقليدي.
دخول اليونسكو على خط الدعم والتوثيق يضع القضية في بعدها الإنساني العالمي، ويؤكد أن الإرث الحضاري السوداني جزء من الذاكرة المشتركة للبشرية. والاعتداء عليه جريمة عابرة للحدود، تمس الضمير الإنساني قبل أن تمس دولة بعينها.
سياسيًا تفرض هذه الوقائع مسؤولية مباشرة على القوى الوطنية كافة. فحماية الذاكرة يجب أن تتحول إلى إجماع وطني عابر للاستقطاب، لأن الدولة التي تفشل في حماية تاريخها تفقد قدرتها على بناء سردية جامعة، وتترك فراغًا تملؤه مشاريع التفكيك والاغتراب.
هذا بحسب #وجه_الحقيقة ، تكشف هذه الحرب عن حقيقتها المتجذرة حربًا على وجود الدولة لا مجرد انقلاب عسكري انزلق إلى حرب، مدعوم من قوي اقليمية ومحلية. واستعادة الآثار مهما بدت خطوة متأخرة، تمثل بداية معركة الوعي الضرورية لبناء سودان ما بعد الحرب. فالتنمية بلا ذاكرة وهم، والدولة بلا تاريخ كيان هش. والسؤال الحاسم ليس فقط كيف نعيد الإعمار، بل: أي وطن نريد أن نعيد بناءه؟
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 14 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com ٩