عامر باشاب يكتب: خاتمة الرحيل النبيل .. النجمة بلقيس عوض والنجم أحمد زكي

قُصر الكلام

عامر باشاب

خاتمة الرحيل النبيل .. النجمة بلقيس عوض والنجم أحمد زكي

 

يوم الإثنين الماضي نعى الناعي الممثلة المخضرمة «بلقيس عوض»، نجمة الدراما العربية، وعلى مستوى السودان ظلت حاضرة بكل الألق أمام ميكروفون الإذاعة، وعلى خشبة المسرح، وخلف كاميرات التلفاز، تُبدع في تشخيص وتجسيد الأدوار في كل مراحل عمرها. خمسون عامًا من العطاء الإبداعي الشفيف الكثيف، المحتشد بالتميز والتفرد والتألق، إلى أن اعتلت كل مراقي ومراتب النجومية، فصارت في المقدمة، سيدة الشاشة، وأميرة الميكروفون، وملكة المسرح. صالت وجالت في هذه الحيشان، مقدمة مئات الأعمال الدرامية، جسدتها جميعها بجودة وتفوق يجعلك تعيش معها تفاصيل العمل الدرامي بانجذاب تام، لدرجة أنك تغوص معها في الدور الذي تجسده بإحساسه وانفعالاته، الذي يصل إلى درجة عالية من التطابق مع تفاصيل الحياة الواقعية لبطلة الرواية التي تجسدها.
الراحلة العظيمة بلقيس، وكما حكت لي في آخر حوار أجريته معها لصحيفة «المجهر السياسي»، إنها ولجت إلى عالم الدراما والفن والإبداع والنجومية عبر برنامج «لسان العرب» بالإذاعة السودانية في العام ١٩٥٦، أي في عام استقلال السودان، وكان عمرها خمسة عشر عامًا. وكان البرنامج يشارك في إعداده وتقديمه كوكبة من فطاحلة اللغة العربية، أمثال الأستاذ «الفكي عبد الرحمن»، والأستاذ «فراج الطيب»، والشاعر «سيف الدين الدسوقي»، الذي اختارها للانضمام لفريق هذا البرنامج. وبعد الاختبار أُعطيت فرصة إلقاء بعض الأبيات الشعرية ضمن فقرات البرنامج، ومن هنا كانت انطلاقتها التي أوصلتها إلى قمم المجد، إلى أن صارت واحدة من أبرز رواد خشبة المسرح، وإحدى عملاقات الدراما الإذاعية والتلفزيونية.
بلقيس عوض نذرت حياتها الخاصة والعامة، متفانية في خدمة الوطن ومصلحة الفن والإبداع. تناست نفسها وعاشت لغيرها، نشرت بين الناس الخير والحب والفرح والجمال والوفاء. كانت تمثل القاسم المشترك لكل المجتمعات، تتفقد الزملاء وتعين الضعفاء، مدت أياديها البيضاء لكل الأجيال، ومهدت لهم الوصول لطموحاتهم. هكذا قدمت الملكة بلقيس كل ما تملك من عطاء مهني وإبداعي وإنساني، وفي الآخر لم تجنِ غير جور الزمان، وقسوة الرفاق، والظلم، والإهمال، والتجاهل من الدولة، خاصة قطاع الثقافة الرسمي والشعبي.
عانت ما عانت من ويلات الأمراض، ويا سبحان الله، وهي السيدة العظيمة الكريمة المضيافة، التي كانت أبواب بيتها في «الخرطوم ٣» مفتوحة قبل قلبها لكل الناس، وفي خاتمة حياتها، وهي التي آوت واحتوت، لم تجد لها مكانًا في المليون ميل يأويها ويستر كبرها في زمن النزوح القسري، فاستُؤجرت لها غرفة في إحدى فنادق مدينة دنقلا، عاشت بداخلها بصمت النبلاء، مستورة الحال، إلى أن حاصرتها الأمراض المزمنة.
هكذا كانت آخر تفاصيل الحياة المأساوية لنجمة الدراما السودانية بلقيس، تشابه آخر الأيام الصعبة في حياة نجم الدراما العربية والمصرية «أحمد زكي»، الذي هو الآخر بعد أن عاش النجومية الباهرة بطولها وعرضها، في النهاية قضى خاتمة أيام عمره في إحدى فنادق القاهرة المتواضعة، إلى أن فاضت روحه بعيدًا عن الأضواء في مستشفى عام، بعد معاناة مريرة مع المرض.
وبلقيس في آخر أدوارها الدرامية الواقعية، وفي خاتمة المشهد في زمن الحرب اللعينة، لم تجد غير زملائها الضباط، رجال ونساء الشرطة السودانية، الذين أخلصوا في خدمتها ورعايتها إلى أن فارقت الحياة بين أياديهم الخضراء وقلوبهم الطيبة.
برحيل بلقيس عوض فقدنا رمزًا من الرموز الوطنية، ومثالًا للمرأة السودانية العظيمة، ست البيت، وسيدة المجتمع، والقيادية الواصلة والمتواصلة. كنت أحرص من حين لآخر على تفقد أحوالها، وكانت دائمًا ما تسجل لي زيارات خاطفة في مكتبي المتواضع بمباني صحيفة «المجهر» بالخرطوم شرق. وكنا معًا برفقة صديقنا المشترك الشاعر التجاني حاج موسى، دائمًا ما نسجل زيارات للشاعر والكاتب والناقد والمخرج المسرحي «هاشم صديق» بداره العامرة بأمدرمان، جوار سوق بانت العتيق، نستمتع معه بجلسات مؤانسة في الخاص والعام، بالحوش الفسيح على الهواء الطلق.
وكنت عندما أذهب إلى الحصاحيصا خميس وجمعة، كانت تتصل عليّ وتطلب مني أن أعطيها الوالدة عبر الهاتف، وكانت الوالدة ترتاح جدًا لحديثها الممتع، وتقول لي: والله بلقيس دي لما تتكلم معاي بالتلفون أحس زي البتمثل في مسلسل بإذاعة أمدرمان.
آخر الكلام بس والسلام:
نعم، رحلت الملكة بلقيس عوض بجسدها الطاهر وروحها الشفافة النقية، ولكن ستبقى سيرتها الباهرة متجسدة في كل تفاصيل حياتنا، ومطبوعة في كل الأماكن والساحات والمنتديات والمؤسسات الإبداعية التي عاشت بداخلها، ورست عبرها في دواخلنا.
رحم الله «العظيمة بلقيس» بقدر ما قدمت لوطنها ولمجتمعها ولمحبيها وعشاق فنها.
أخيرًا نبتهل إلى الله الرحمن الرحيم، صاحب الفضل العظيم، أن يكرمها بمنزلة الشهداء والصديقين والصالحين في أعلى الجنان، وأن يلهمنا وذويها الصبر والسلوان، وحسن العزاء. (إنا لله وإنا إليه راجعون).