
مستطرف ألوان من المُلَح واللطائف والبيان
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
مستطرف ألوان من المُلَح واللطائف والبيان
“همباتة الثورة”
من أشجع العرب “شبيب الخارجي” الذي غرق في الفرات. ومن مواقفه المشهودة أن امرأته “غزالة” قد نذرت أن تصلي في جامع الكوفة ركعتين، تقرأ في الأولى البقرة، وفي الثانية آل عمران؛ فعبر بها جسر الفرات، وأدخلها الجامع ووقف بسيفه على بابه يحميها حتى وفت بنذرها. قام هذا الفارس بهذا العمل الفدائي مع أن الحجاج كان يومها بالكوفة ومعه خمسون ألف فارس. كان صديقنا عمار درويش يُسمي الخوارج “همباتة الثورة” ويقول ممازحاً: لولا حديث المصطفى في صفتهم وغلوهم، لأصبحت خارجياً.
“أقوال مزلزلة”
ومن الأقوال المزلزلة لابن عائشة: “ما أنعم الله على عبد نعمة فظلم بها إلا كان حقاً على الله تعالى أن يزيلها عنه”. وكان عليٌّ -رضي الله عنه- يطابق الأقوال بالمعنى لدرجة الإعجاز، ومما كنا نحفظه: (احذروا نفار النعم، فما كل شارد بمردود). وعنه عليه السلام: (إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر). ومما أرشحه للحفظ: (إذا كانت النعمة وسيمة، فاجعل الشكر لها تميمة).
“لا تصادقوهم”
ومن النصائح المضيئات، قال حكيم: لا تصطنعوا (لا تصادقوا) ثلاثة: اللئيم؛ فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش؛ فإنه يرى أن الذي صنعته إليه إنما هو لمخافة فحشه، والأحمق؛ فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه.
“لافتة مباركة”
من الأقوال التي أحببت أن تُكتب على أبواب المطاعم والمقاصف ما رواه علي بن الحسين عن رسول الله ﷺ قال: (إن المؤمن ليشبع من الطعام فيحمد الله تعالى فيعطيه من الأجر ما يعطي الصائم القائم، إن الله شاكر يحب الشاكرين).
“صدقة وبقشيش وإتيكيت”
إني معجب جداً بالبقشيش المصري الذي يسد حاجة الملايين دون سؤال بأفعال وأقوال عامرات. وللأسف فإن بعض السودانيين يمتنعون عن هذا الفعل اللطيف الذي نحتاجه هذه الأيام لسد رمق الفقراء من الخبز المر، ويعتقدون أنه كسرٌ للعزة، وما هو بذلك. ومما قرأته تحفيزاً لهذا الفعل الإنساني، أن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- قد اجتاز يوماً بمصر في سوق الحدادين فسقط سوطه، فقام إنسان فأخذه ومسحه وناوله إياه. فقال لغلامه: كم معك؟ قال: عشرة دنانير. قال: ادفعها إليه، واعتذر له.
“ستون وستون”
كان أستاذنا عبد الله الشيخ البشير يقول: إن جيد الشعر يمنح الثراء للمنشد حتى وإن لم يكن شاعراً، ويستدل بحكاية عبد الملك بن مروان الذي استنشد عامر الشعبي، فاستشهد بأبيات حسان بن ثابت في مدح الأنصار:
مَن سَرَّهُ شَرَفُ الحَياةِ فَلا يَزَل … في عُصبَةٍ مِن صالِحي الأَنصارِ البائِعينَ نُفوسَهُم لِنَبِيِّهِم … بِالمُشرَفِيِّ وَبِالقَنا الخَطّارِ الناظِرينَ بِأَعيُنٍ مِحمرَّةٍ … كَالجَمرِ غَيرِ كَليلَةِ الأَبصارِ
فقام (أنصاري) فقال: يا أمير المؤمنين استوجب عامرٌ الصلة، عليَّ له ستون من الإبل كما أعطينا حسان يوم قالها. فقال عبد الملك: وله عندي ستون من الإبل.
“شلاقة”
ومن لطائف الجزاء بالمثل، حكاية الرجل الذي طاف بين الصفا والمروة على بغلة، وشاهده المدائني في سفرٍ آخراً وهو يمشي راجلاً، فسأله عن ذلك فقال: “ركبتُ حيث يمشي الناس، فكان حقاً على الله أن يرجِّلني حيث يركب الناس”.
“ثلاثيات”
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا تُرد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تُحمل على الغمام وتُفتح لها أبواب السماء). كان أحد الزملاء مولعاً بالاختيارات، وكان يسمي مثل هذه الأحاديث “الثلاثيات”، وقد جمع منها كتاباً أرجو ألا يكون قد ضاع في تنقله بين بيوت الإيجار ومخاوف الأوغاد.
“هذه بتلك”
من أبلغ الرسائل شكوى “أبو العيناء” لابن داوود من ظالميه فقال يائساً: “قد تضافروا عليَّ وصاروا يداً واحدة”. فقال: “يد الله فوق أيديهم”. فقلت له: “إن لهم مكراً”، فقال: “ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”. قلت: “هم فئة كثيرة”، فقال: “كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله”.
“دواء الظلم: البتر بالقطاعي”
قيل إن صياداً من قوم موسى عليه السلام اصطاد سمكة كبيرة، وفرح بها طعاماً لأبنائه، فرآه أحد أعوان السلطان فضربه بخشبة وأخذها منه عنوة. فدعا الصياد عليه وقال: (إلهي جعلتني ضعيفاً، وجعلته قوياً عنيفاً، فخذ لي بحقي منه عاجلاً). فلما صُنعت له السمكة، “نخسته” في أصبعه، فبتره الطبيب لإيقاف الألم، ثم انتقل الألم إلى المعصم فبتره، ثم الساعد، فما زال هكذا كلما قطع عضواً انتقل الألم إلى الذي يليه، حتى خرج هائماً مستغيثاً ربه. فرأى في منامه قائلاً يقول: “يا مسكين، إلى كم تقطع أعضاءك؟ امضِ إلى خصمك فأرضِهِ”. فأتى الصياد يتمرغ عند رجليه وطلب منه الإقالة ودفع إليه ماله وتاب، فرضي عنه الصياد، فسكن ألمه في الحال ورد الله يده كما كانت. ونزل الوحي على موسى عليه السلام: (يا موسى، وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته).