
شهادة ناجٍ من مخيم زمزم: البقاء على قيد الحياة في المعسكر مجرد صدفة
رصد: ألوان
بينما كانت أنظار العالم تتجه نحو صراعات أخرى، كان مخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور يسطر واحدة من أكثر فصول التاريخ السوداني مأساوية، تحت حصار خانق وقصف لا يتوقف. تحوّل المخيم من ملاذٍ للنازحين إلى مسرحٍ لمجازر مروعة استهدفت النازحين والكوادر الطبية ومرتادي خلوات تحفيظ القرآن.
تلك الظروف التي عايشتها ولاية شمال دارفور، خلّفت أزمة مجاعة وُصفت بأنها الأقسى ضمن المآسي التي تضرب عدداً من مناطق العالم في الوقت الحالي، وفق تصنيف عدد من الهيئات التابعة للأمم المتحدة.
في هذه الشهادة التي أدلى بها أحد المتطوعين في غرف الطوارئ، نعايش رحلة نزوح وصمود من أزقة الخرطوم، مروراً بمعسكر زمزم للنازحين في شمال دارفور، ووصولاً إلى شتات اللجوء على الحدود التشادية السودانية المشتركة.
من “غرف الطوارئ” إلى ملاذ النازحين في زمزم
بدأت الرحلة مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، حين فرّ مُحدِّث “جُبراكة نيوز” من الخرطوم ليصل إلى الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور. تلك المدينة التي، رغم وصول شرر صغير من الحرب إليها في ذلك الوقت، إلا أنها لم تكن بعد قد وصلت إلى ما آلت إليه الآن من مآسٍ مركبة، انتهت بفرار الآلاف ممن كانوا يظنونها ملاذاً آمناً.
عند وصوله، لم يكتفِ محدثنا– الذي فضّل حجب اسمه– بالنجاة بنفسه، بل أسّس مع رفاقه غرف طوارئ شمال دارفور، ومع تمدد نيران الحرب بدأت موجات نزوح هائلة من قرى (قولو، قوز بينة، تورندي، وعلاونة) نحو “مخيم زمزم” جنوب غربي المدينة.
وقتها كان قد ارتفع عدد مراكز الإيواء من 9 مراكز للنازحين الفارين من مناطق أخرى في دارفور تأثرت بالحرب– بما في ذلك مناطق في ولاية شمال دارفور نفسها– إلى 15 مركزاً.
هناك، وبالتعاون مع “شبكة صيحة- منظمة غير حكومية”، تم تأسيس تكية المطبخ النسوي في مجمع “الشيخ فرح” الذي يأوي 1200 أسرة.
مع اشتداد التدوين (القصف) على المخيم، اضطر المتطوعون لتغيير خطتهم، فكانوا يُعدّون الوجبات داخل المخيم، ثم يخاطرون بنقلها وتوزيعها في مناطق شمال زمزم مثل “سلومة” وغيرها، لضمان وصول الطعام للعالقين.
كانت التكية تُجهّز 10 قِدَر كبيرة في كل وجبة؛ مكرونة في الصباح، وتحلية (الأرز مع اللبن) في المساء، لسد رمق الأطفال والأمهات والعائلات.
طلقات من أجل حفنة عدس و”بصلات” معدودة
يروي الشاهد أنه بعد فترة من توزيع الطعام في سلومة، بدأت الأسعار في الارتفاع بشكلٍ كبير مع مطلع عام 2025. فبينما كان سعر “البقرة” يتراوح بين 800–900 ألف جنيه، قفز ليصل إلى مليوني جنيه في بداية يناير 2025. أما الملح فقد صار يُباع بوصفه سلعة نادرة، عبر تعبئة حفنات منه في أكياس مخصصة لتعبئة الآيسكريم الشعبي “الداندرمة”.
تلك الأكياس الصغيرة، التي يمكن أن تصلح عبوتها لإعداد ثلاث وجبات متوسطة، وصلت قيمتها إلى 10 آلاف جنيه، ما جعل محدثنا يصفه بـ”كوكايين الفقراء” لفرط ندرته.
مع ندرة المواد الغذائية وصعوبة الوصول إليها، يروي الشاهد كيف تلقى ثلاثة من المتطوعين رصاص قناصة.
يقول: “في سبيل جلب بضع قطعات من البصل أو حفنة عدس، اضطر عدد من متطوعي غرفة الطوارئ لقطع مسافة تصل إلى عشرات الكيلومترات سيراً على الأقدام، بين مخيم زمزم في أقصى الجنوب الغربي للفاشر، ومعسكر أبو شوك شمالها، ما عرّضهم لرصاص قناصة أُصيب جراءه ثلاثة منهم”.
المبادرة الإسعافية وتضحية “المتطوع”
بعد العجز الذي واجه منظمة “أطباء بلا حدود” في العمل في ولاية شمال دارفور، بدأت تدريجياً في التوقف عن تقديم خدماتها الطبية منذ بداية 2025، ما دفع المتطوعين لإطلاق مبادرة “المستشفى الاسعافي” داخل مخيم زمزم لإنقاذ الجرحى.
يروي المتحدث قصة أحد المتطوعين الذين حاولوا كسر حصار الدواء، إذ قام أحدهم بشراء حمار وجمل لاستخدامهما في “تهريب” المستلزمات الطبية وبعض الملابس، لكن قوات مهاجمة لاحقته وقتلته مع الدابتين، وسُكب العلاج على الأرض عمداً، ليبقى المرضى يواجهون الموت بلا مسكنات.
يناير الأسود ومقتل “الملائكة”
في 16 يناير 2025، بلغت الأحداث ذروتها باقتحام مستشفى يتبع لمنظمة “ريليف إنترناشيونال”، قُتل خلاله 9 أطباء متطوعين بدم بارد.
يصف متحدثنا تلك اللحظات التي قام فيها بحمل جثامينهم بنفسه من مكان وقوع الحادثة. ويؤكد: “لم يكتفِ المهاجمون بذلك، بل استباحوا مطبخ التكية وقتلوا من فيها، وسكبوا الطعام على الأرض عمداً لقطع آخر شريان حياة”.
مجزرة الـ50 وجحيم التدوين
مخيم زمزم للنازحين يُعد من أكبر المخيمات في السودان، وفي دارفور بصورة خاصة، إذ وفّر المأوى لمئات الآلاف من النازحين خلال الحرب التي اندلعت في إقليم دارفور في العام 2003.
وخلال الحرب التي اندلعت في السودان، أبريل 2023، وأثناء صراع الجيش السوداني والقوة المشتركة المساندة له من جهة، وقوات الدعم السريع من الجهة الأخرى، ظلّت الأخيرة تقول إن المخيم لم يعد مكاناً للنازحين، وكرّر متحدثوها أنه صار مركزاً عسكرياً للقوات التي تقاتلها.
يختار الشاهد وصف لحظات سيطرة قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في أبريل 2025 بأنها “أهوال القيامة”، حيث تمت تصفية أكثر من 50 شخصاً أمام عينيه بدم بارد أثناء الاجتياح.
وتحت وطأة كثافة “التدوين”، التي كانت تلاحق كل ثلاثة أفراد يسيرون معاً بقذيفة، اضطر المتحدث للاحتماء والاختباء داخل أحد المنازل في منطقة “سلومة” للنجاة من القتل الوشيك.
وفق مشاهدات شخصية للمتحدث، استشهد المتطوع “رفعت علي عبدية” داخل سيارته أثناء إسعاف الجرحى، وهو من أوائل الذين “هرّبوا” الوقود بالجمال لجلب المياه. كما لقي الدكتور “عبد الرسول” (ابن عم المتحدث) حتفه بقذيفة “دانة”.
كذلك يؤكد المتحدث مقتل الطفلة “رانية” (11 عاماً) أمام عينيه برصاصة، كما أُصيبت شقيقتها الصغرى، والطفلة “ميساء” بشظايا في ظهرها.
في يوم اجتياح المعسكر، وفي الثانية عشرة منتصف الليل، أثناء دفن ضحايا ذاك اليوم، استهدف القصف المقابر والمشيعين. وسط هذا الرعب، رأى الشاهد ثلاثة أطفال يحاولون وضع حجرٍ في ركن كعلامة لقبر أمهم. قال أكبرهم: “دايرين نخت الحجر هنا… عشان بس نعرف نقرأ ليها الفاتحة لو رجعنا يوم”.
يقول الشاهد إنه عاد إلى المخيم في الثانية صباحاً، وفي مستوصف “أطباء بلا حدود” وجد جثثاً ملقاة وأشلاءً لا يمكن تمييزها.
أمضى بعدها يومين بلا أكل لانعدامه في المخيم. وفي محاولة للفرار نحو الفاشر، قابل عدداً من الفارين صرخوا فيهم: “ارجعوا زمزم… الدعامة جايين من الفاشر”، فاضطروا للاختباء أربع ساعات مستلقين على الأرض داخل “مزرعة عدسية” في سلومة، بينما يمر مسلحون على مقربة من أجسادهم.
إزاء هذه الشهادة، والروايات الأخرى المتطابقة، حاولت “جُبراكة نيوز” التواصل مع عدد من قادة الدعم السريع لسؤالهم عن “المسؤولية الأخلاقية والجنائية” لقوات الدعم السريع والجهات المتحالفة معها في تحالف تأسيس، ولم نتلقَّ أي رد أو تعليق.
“الدرداقة” والرحلة نحو المجهول
يُلخّص الشاهد المأساة في مشهد شاب فقد والده إثر إصابته بـ”دانة” أودت بحياته فوراً. لم يجد الشاب وسيلة لنقل أمه المريضة سوى “درداقة”، فوضعها فيها، وحمل شنطة مقتنياتهم فوق رأسه، وبدأ بدفعها من مخيم زمزم محاولاً دخول الفاشر. ظل يصارع التعب والطريق حتى وصل إلى كوبري الفاشر. وهناك، وبينما كان يظن أنه اقترب من الأمان، لفظت أمه أنفاسها الأخيرة، وجسدها محمول على “الدرداقة”. قتلتها وعثاء الطريق والحزن والإعياء، يقول.
بعدها بدأت رحلة الهروب الكبرى؛ 31 شخصاً ساروا لأحد عشر يوماً، متخفين في الوديان وتحت الشجر في “جبل وانا” و”جبل كُلكُل” و”مليو”. يختم الناجي شهادته بمرارة: “لقد عُدنا من القبور… ولم نستطع حتى غسل وجوهنا من فرط التعب والإعياء”.