
كمال حامد يكتب: شعبان أحزان وغفران
مهلا وأهلا ليها الموت (74)
شعبان أحزان وغفران .. فقدنا هاشم وسلمى وسليمان وحذيقة
كمال حامد
روي عن أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها سألت النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن إكثار الصيام في شعبان؟ فأجابها بما معناه: (إن الله يقبض الأرواح بكثرة في شعبان، فاحرصي على الصيام فيه حتى تقبض روحي وأنا صائم).
تذكرت هذا الحديث، وأخبار الوفيات تقع على رؤوسنا يوميًا خلال الأيام الماضية من شعبان، شهر الغفران، من الذين نعرفهم من الأهل والأصدقاء. نحزن على فقيد، وقبل أن نأخذ أنفاسنا يأتي خبر الآخر، لدرجة أحيانًا نحاول تجنب سماع الأخبار وما يأتي من بعضنا الذين اشتهروا بنقل أخبار الموت. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
حصرت قائمة من فقدناهم في الأيام الماضية، وتجاوز العدد ستة عشر اسمًا من أهل الرياضة واللاعبين ومن أهل الفن والثقافة وأسرهم، ومن الأصدقاء المقربين إلى نفسي، وأحدثوا ولا يزال فقدهم يسيطر على نفسي مثل الصديق أو (الفردة) كما يقولون: الأخ عاشم عبد العزيز، أو من الأهل داخل الأسرة، ومنهم ابنتنا سلمى، كريمة ابن عمي المرحوم العميد بشير العبيد، وابنة بنت عمي المرحومة الأستاذة فتحية مدني الأمين. رحمهم الله ورحمنا، وسأبدأ بآخر من ذكرت.
سلمى، الابنة الصغرى لصديقي ورفيقي ابن عمي العميد بشير ابن عمي (لزم) العبيد محمد أحمد، شقيق والدي أبي وأمي، لكن حزني على سلمى لأنها كانت الأقرب لوالدها ووالدتها يرحمهما الله، وأعلم ذلك بحكم قربي لهذه الأسرة، وابنة بشير العبيد ابنتنا جميعًا، وكنت معه دائمًا حتى وهو يتولى رئاسة نادي الهدف، وانضممت إليه في الإدارة متخليًا عن كل الأندية الأخرى في عطبرة، ولا أزال.
بشير العبيد كان عسكريًا صارمًا وابن نكتة وخفيف الظل، ولا يزال حتى وقت قريب يسألني عن أخبار أسرته، أبناء دفعته العسكرية: الرئيس عمر البشر والتيجاني آدم الظاهر إبراهيم نصار والمعز عتباني والشهيد الزبير واللواء فيصل أبو صالح قبل رحيلهم، وكان الأخير دفعته في أم المدارس، عطبرة الثانوية القديمة.
رحم الله سلمى بشير العبيد، ويبكيها الأهل، فقد عاشت حياتها القصيرة يتيمة الأب والأم. وحزني وعزائي لزوجها صديقنا العميد عبد المنعم ابن دامر الوفاء، التي شيعت صباح الأربعاء الفقيدة لمثواها بمقابر السادة المجاذيب، وأعزيه عبرها، وشقيقها محمد بشير، وشقيقتها لبنى بشير، وأسرهم، والعزاء لكل الأهل بديم القراي وعطبرة وشندي والدامر وبورتسودان. إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقدنا الصديق ورفيق السكن والاغتراب، أخي الذي لم تلده أمي: هاشم عبد العزيز أحمد إبراهيم (المفتش)، وذكرت (المفتش) تقديرًا لهذه الأسرة العطبراوية العظيمة التي قدمت لنا رموزًا في مجالات التعليم والرياضة، ومن هذين المجالين.
أكتفي باسمين فقط من عشرات، بل مئات، من أسماء أولاد المفتش في التعليم: الأب المؤسس أحمد إبراهيم مفتش التعليم ومؤسس المدرسة الأهلية، والأستاذ ميرغني عبد العزيز، أشهر المعلمين ونظار المدارس وخبير الامتحانات، وأحتفظ له أنه معلمي الأول الذي أعدني للمهنة منذ أولى خطواتي معه بمدرسة بنات العمال الثانوية العامة بعطبرة.
وأواصل وأنا أنعي أخي هاشم عبد العزيز، وذكرت أسرة أولاد المفتش في التعليم، أما في الرياضة فالعدد كبير جدًا، لكن أكتفي باسمين رمزين رياضيين: الأول الحكم الشهير أبو خليل إبراهيم أحمد إبراهيم المفتش، والكابتن الخبير ورفيقنا في المدارس طلابًا ومعلمين، وفخر الكرة العطبراوية: النجم شوقي عبد العزيز، ويكفي أنه المدرب الوحيد الذي حقق للسودان بطولة خارجية هي البطولة العربية المدرسية، وهو أبرز نجوم الهلال والمنتخب في أحد العصور الذهبية للكرة السودانية.
الفقيد هاشم عبد العزيز أعرفه من خلال الصديقين: شقيقة الأكبر الأستاذ ميرغني وابن عمته الكابتن شوقي، وهما اللذان أدخلاني في سكن أولاد عطبرة بأم درمان حين انتقلت من عطبرة للدراسة بمعهد الموسيقى والمسرح، وفي بيت أولاد عطبرة كما يسميه الجيران بالموردة التقيت بالأخ هاشم، وكأننا على موعد لا نفترق في السكن والاغتراب حين وصلني في جدة وأقام معي حتى وجد الوظيفة في مدينة خميس مشيط.
هاشم عبد العزيز من أهل الأخوة والقرب من الناس، كان مبتسمًا ضاحكًا دائمًا، وهذه من علامات أهل الجنة، عاد معي من السعودية ليشهد زواجي في عطبرة كما فعلت، ورافقت في زواجه بأم درمان، وهنا أعزي رفيقته الأخت عوضية التي رعته في مرضه، وسترعى عقبه أحمد وعبد العزيز وإسراء.
رحم الله أخي هاشم عبد العزيز، وعوضه الجنة عن صبره على المرض والألم، نعم صبر وتبسم وسخر مما يلاقيه، والعزاء لعطبرة كلها، وأسرة أولاد المفتش، وأسرة جده وخالنا المرحوم أحمد قناوي، ولأصدقائه والرياضيين. إنا لله وإنا إليه راجعون.
أبلغ الآن صديقنا في شرورة علي عبد الماجد بالخبر المؤسف: رحيل ابنه الرائد محمد، الذي لقى ربه شهيدًا في نيالا، ووجدوه بعد شهور بسبب الإهمال والجوع والعطش في أحد معتقلات ماليشيا، الدعم السريع.
فقدنا هذا الأسبوع بطل الجمهورية في لعبة تنس المضرب: البطل مندور رشدي، وفقدنا نجم الهلال والمنتخب الكابتن صديق الجميع: شيخ إدريس بركات، ونجم المريخ وهدافه محمد عبد الصادق سانتو الخرطوم.
أما الرحيل المر والحلو، فهو رحيل إلى الجنة، فقد ارتقى للأعلى الأخ الأصغر الشهيد حذيفة، الذي كان بين الجنود من معركة لأخرى حتى سقط أو ارتقى في الدلنج ضمن القوة التي حررتها، والعزاء لوالده الأخ اللواء عادل حسن حميدة، سائلًا الله له الصبر لأنه ولده الوحيد، ومعه الآن عطبرة مواسية، فقد كان اللواء عادل عسكريًا نشطًا في سلاح المدفعية ونجمًا كرويًا بنادي الأمل.
من أهل الفن والثقافة فقدنا المسرحية المعروفة الأستاذة بلقيس عوض، وفقدنا مع أخينا الشاعر الكبير الأستاذ التيجاني حاج موسى، رقيقة دربه الأستاذة ماريا محمد علي، فقدنا رمز الإذاعة والدراما الأكاديمي البروف صلاح الدين الفاضل، وكنا قد خصصنا له حلقة الأسبوع الماضي كاملة.
في قائمة من فقدناهم في الأيام الماضية من شعبان (شهر الأحزان والغفران): كابتن المريخ سليمان عبد القادر، والمشجع المعروف الحاج أبو سوط، والزميل الصحفي الرياضي عبد اللطيف الهادي، والعم مصطفى محمد إبراهيم والد صديقنا رئيس المريخ الأسبق القنصل حازم مصطفى.
مات شيخ السودانيين بمدينة جوبا عاصمة الجنوب، رجل الأعمال والإنسانية الحاج أمين عكاشة، ومن الذين أعرفهم من غير السودانيين بلغني خبر وفاة أحد أشهر نجوم الخليج والكويت صديقنا الكابتن فتحي كميل، وممن لا نعرفهم ولكنهم من المشاهير الدكتور سيف الإسلام معمر القذافي، وهو الوحيد من أبناء الزعيم الليبي الذي يعمل بالسياسة.
رحم الله من فقدناهم في الأيام الماضية من شهر شعبان، وممن سنفقدهم فيما تبقى من الشهر، ورحمنا الله جميعًا. إنا لله وإنا إليه راجعون.