
أوردغان في السعودية .. دعم صريح لوحدة السودان ومؤسساته الشرعية
أوردغان في السعودية .. دعم صريح لوحدة السودان ومؤسساته الشرعية
تقرير: مجدي العجب
في توقيت بالغ الدلالة السياسية، وعلى وقع زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية، صدر البيان السعودي–التركي المشترك ليحمل رسائل عميقة تتجاوز الإطار الثنائي، واضعًا الملف السوداني في صدارة الاهتمام الإقليمي، ومؤكدًا انحياز الرياض وأنقرة الصريح لوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية الشرعية، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، في مواجهة محاولات تفكيك الدولة وإغراقها في فوضى الكيانات الموازية. البيان، الذي جاء ثمرة حراك دبلوماسي محسوب، عكس تقاطعًا استراتيجيًا بين السعودية وتركيا حول ضرورة حماية الدولة السودانية من سيناريوهات التقسيم والاختطاف السياسي، ورفض أي تشكيلات غير شرعية تُدار من خارج إطار المؤسسات الرسمية، أو تُفرض بقوة السلاح والدعم الخارجي. وهو موقف يقرأه مراقبون باعتباره إغلاقًا محكمًا للمسار الذي سعت إليه أطراف إقليمية لتحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، وممر مفتوح لتدفق السلاح والمرتزقة، وبيئة خصبة للأنشطة غير المشروعة. ولم يقتصر الموقف السعودي – التركي على الجانب السياسي فحسب، بل شدد بوضوح على الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وإعلان جدة، مع التأكيد على حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء السودان، في اعتراف عملي بشرعية الدولة السودانية وقدرتها على إدارة الملف الإنساني عبر مؤسساتها، لا عبر قنوات موازية مسيّسة حاولت استغلال معاناة السودانيين لتحقيق مكاسب سياسية. كما حمل البيان دعمًا واضحًا للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، والدفع نحو عملية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم، تفضي إلى حكومة مدنية وطنية خالصة، لا مكان فيها للجماعات المتطرفة أو الجهات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني، في إشارة لا تخطئها العين إلى رفض إعادة تدوير الفوضى أو شرعنة العنف تحت لافتات سياسية زائفة.
ويقرأ متابعون إشادة تركيا بجهود المملكة في السعي لوقف الحرب وتحقيق السلام، مقابل إشادة السعودية بالدور التركي في الاستجابة للأزمة الإنسانية، باعتبارها تثبيتًا لشراكة إقليمية متوازنة في دعم السودان الدولة، لا السودان الساحة. كما يأتي الترحيب بقرارات القوات المسلحة السودانية بتمديد فتح المعابر والمطارات الإنسانية ليؤكد أن الجيش السوداني ظل – وسيظل – طرفًا ضامنًا لوحدة البلاد وحماية المدنيين، وليس عائقًا أمام الإغاثة كما حاولت بعض الحملات الممنهجة تصويره. بهذا البيان، وفي هذا التوقيت، تكون الرياض وأنقرة قد رسمتا خطًا سياسيًا واضحًا: السودان ليس متروكًا، ولا قابلًا للمساومات، ولا ساحة مفتوحة للتدخلات، وأن رهان الفوضى ودعم المليشيات والكيانات الموازية قد وصل إلى طريق مسدود.
ضرب شرايين امداد المليشيا
ويحمل تأكيد البيان السعودي – التركي على منع تدفق الأسلحة الخارجية غير الشرعية دلالة استراتيجية تتجاوز الصياغة الدبلوماسية، إذ يُعد هذا البند بمثابة ضربة مباشرة لشرايين الإمداد التي أطالت أمد الحرب، ومكّنت مليشيا الجنجويد من مواصلة جرائمها ضد الدولة والمجتمع. فالسلاح الذي يتدفق خارج الأطر الشرعية لم يكن مجرد عامل عسكري، بل أداة سياسية لإبقاء السودان رهينة للفوضى، وتحويل أراضيه إلى مسرح لصراعات إقليمية وحسابات تتناقض مع مصالح شعبه ووحدته.
ويقرأ مراقبون هذا الموقف باعتباره رسالة واضحة للدول والجهات التي وفّرت، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، الدعم العسكري للمليشيات الخارجة عن القانون، مفادها أن المجتمع الإقليمي المؤثر لم يعد يقبل باستمرار هذا المسار، وأن مرحلة التساهل مع تهريب السلاح وتمويل الحرب قد انتهت. كما يعكس التوافق السعودي – التركي إدراكًا متقدمًا بأن أي حديث عن حل سياسي أو حماية للمدنيين سيظل بلا معنى ما لم يُقطع الامتداد الخارجي الذي يغذي آلة العنف. ويمثل هذا التحول السياسي دعمًا صريحًا لموقف الحكومة السودانية والقوات المسلحة في معركتهما ضد المليشيات، ويُسقط محاولات تبييض الجنجويد أو إعادة تقديمها كطرف سياسي، ويعيد تعريف الصراع بوصفه مواجهة بين دولة شرعية ومليشيا تعتمد على السلاح العابر للحدود. وفي هذا السياق، فإن الرسالة غير المعلنة – ولكن المفهومة – موجهة إلى العواصم التي لعبت أدوارًا تخريبية في المشهد السوداني، بضرورة مراجعة سياساتها والتوقف عن تغذية الصراع، لأن كلفة الاستمرار لم تعد محصورة داخل السودان، بل باتت تمس الأمن والاستقرار الإقليمي برمته.
الشرعية تنتصر
وفي الشأن السوداني، أكد الجانبان مواقفهما الثابتة والداعمة لوحدة السودان والمحافظة على أمنه واستقراره وسيادته، ورفض تشكيل أي كيانات غير شرعية أو موازية خارج إطار مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، ومنع تدفق الأسلحة الخارجية غير الشرعية، وتحويل السودان إلى ساحة للصراعات والأنشطة غير المشروعة
وضرورة الالتزام بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى جميع أنحاء السودان، وفقًا لـ(القانون الدولي الإنساني) و (إعلان جدة) الموقع بتاريخ 11 مايو 2023م
– والتأكيد على أهمية المحافظة على مؤسسات الدولة السودانية، وإطلاق عملية سياسية يقودها السودانيون من خلال إنشاء حكومة مدنية لا تشمل الجماعات المتطرفة والجهات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني. وأشاد الجانب التركي بجهود المملكة لتحقيق السلام في السودان، والعمل على وقف الحرب في السودان، والمحافظة على وحدته وأمنه واستقراره، وإنهاء معاناة الشعب السوداني. وأشاد الجانب السعودي بجهود جمهورية تركيا في الاستجابة للأزمة الإنسانية في السودان. ورحب الجانبان بقرار القوات المسلحة السودانية تمديد فتح معبر أدري الحدودي مع تشاد، وفتح مطارات كسلا ودنقلا والأبيض، بالإضافة إلى معبر كادقلي لإيصال المساعدات الإنسانية.
تسريع نهاية الجنجويد
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد إبراهيم أن التأكيد السعودي – التركي على منع تدفق السلاح الخارجي غير الشرعي يمثل تحولًا نوعيًا في مقاربة الأزمة السودانية، لأنه يستهدف جوهر الصراع لا مظاهره. واشار في حديث لألوان إلى أن مليشيا الجنجويد ما كانت لتصمد أو تتمدد لولا شبكات الإمداد الخارجي والدعم اللوجستي العابر للحدود، مؤكدًا أن تجفيف هذه المنابع يعني عمليًا تسريع نهاية التمرد وإعادة ميزان القوة لصالح الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية. وأضاف قائلا: هذا الموقف يحمل رسالة سياسية واضحة للدول التي راهنت على إطالة أمد الحرب عبر تسليح المليشيات أو توفير الغطاء السياسي لها، مفادها أن العبث بأمن السودان لم يعد مقبولًا إقليميًا. واعتبر أن التوافق بين الرياض وأنقرة، في هذا التوقيت، يقطع الطريق أمام محاولات تحويل السودان إلى ساحة نفوذ أو منصة صراعات بالوكالة، ويعزز من موقف الحكومة السودانية والقوات المسلحة في معركتهما لحماية وحدة البلاد وسيادتها. وختم الرشيد حديثه لنا قائلا: منع تدفق السلاح غير الشرعي يشكل حجر الزاوية لأي مسار سياسي جاد، لأن أي عملية سياسية في ظل السلاح المنفلت ستكون مجرد إعادة إنتاج للفوضى، مشددًا على أن الرسالة غير المعلنة للبيان موجهة إلى أطراف إقليمية بعينها بضرورة وقف تدخلاتها، والانخراط في دعم استقرار السودان بدلًا من تقويضه، لأن استقرار السودان بات جزءًا لا يتجزأ من أمن الإقليم بأسره.
رسالة حاسمة
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب أن التأكيد السعودي – التركي على منع تدفق السلاح الخارجي غير الشرعي يمثل رسالة حاسمة بإنهاء مرحلة تغذية المليشيات بالسلاح والمال تحت أي ذرائع. ويؤكد أن هذا الموقف ينسجم مع متطلبات حماية الدولة السودانية ويعزز من موقف القوات المسلحة في مواجهة مليشيا الجنجويد، التي اعتمدت في تمددها على دعم خارجي منظم. ويضيف أن البيان يعكس تحولًا إقليميًا مهمًا يضع أمن السودان ضمن أولويات الاستقرار الإقليمي، ويبعث بإشارة واضحة للأطراف المتدخلة بضرورة وقف تدخلاتها، لأن أي مسار سياسي أو إنساني لن ينجح ما لم يُغلق ملف السلاح غير الشرعي بشكل كامل.
رفض الفوضى
البيان التركي _ السعودي الذي جاء في سياق زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى المملكة، يعد تحوّلًا إقليميًا لافتًا في مقاربة الأزمة السودانية، قائمًا على دعم الدولة ومؤسساتها الشرعية، ورفض الفوضى والسلاح المنفلت والكيانات الموازية. وهو موقف يعزز من صمود الحكومة السودانية والقوات المسلحة في معركتهما للحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها، ويؤكد أن مستقبل السودان لن يُرسم خارج إرادة شعبه ولا عبر أجندات خارجية. ومع اتساع دائرة هذا التوافق الإقليمي، تتقلص خيارات المليشيات وداعميها، ويتقدم مسار استعادة الدولة والاستقرار، باعتباره الخيار الوحيد القابل للحياة، لا للسودان فحسب، بل لأمن الإقليم بأسره.