كمال حامد يكتب: لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد

من السبت إلى السبت

كمال حامد

لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد

+ لقاء تلفزيوني جمعني الشهر الماضي مع مدير عام السكة حديد المهندس موسى القوم الجهدي. أظنه سيُبث في رمضان بقناة نهر النيل الفضائية، وسمعت منه اهتمامه بعودة قطارات الركاب إلى وادي حلفا وبورتسودان وإلى الخرطوم، ولم أشأ أن أحبط طموح الرجل المجتهد بأن القطار لم يعد الوسيلة المفضلة.
+ سمعت الكثير من الرضا على (المدير)، وفي عطبرة تسمع كلمة المدير وتعني مدير السكة حديد، وتسمع كلمة (القائد) والمقصود قائد سلاح المدفعية، كما تسمع كلمة (العمارة) والمقصود عمارة عباس محمود رغم أنها من طابقين فقط، وظهرت عمارات بطوابق متعددة.
+ يحلو الحديث والكتابة عن السكة الحديد، خاصة لشخص مثلي مولود في قطية وتربى في بيت سكة حديد، والبيت كان نقلة كبيرة حسب طبيعة عمل الوالد (كيمان)، وفهمت فيما بعد أنها Key man أي الرجل الذي يتطلب عمله أن يكون قريبًا لأي طاريء أو ستاندباي، أو بلغة هذه الأيام on call، وكان والدي، يرحمه الله، سائق الموترتروللي المطلوب في أي لحظة بتحريك الأوتومبيل للتأكد من صلاحية الخط أو لإسعاف أحد العاملين في المحطات القريبة أو لتوصيل قطعة غيار.
+ بهذه الروح أتابع أخبار السكة الحديد وأسعد لشعار (لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد)، ولكن سعادتنا لا تستمر لأن السكة حديد تعيش تدهورًا متواصلًا وتمد لسانها من تحت أنقاضها لمن يردد هذا الشعار أو الشعار الآخر (سنُعيدها سيرتها الأولى).
+ نعم، هي السكة حديد التي كانت تحرك كل السودان اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وتدير أكبر مصالحه المتعلقة بالنقل البري والبحري وحتى الجوي. نعم، كانت سودانير إحدى مصالح السكة حديد، مع المصالح الأخرى: الميناء والخطوط البحرية والنقل الميكانيكي والمخازن والمهمات والسياحة والمرطبات، وكان مدير السكة حديد عضوًا في مجلس الحاكم العام (رأس الدولة).
+ جار الزمان والحكومات والسياسة على السكة حديد. نعم، كل الحكومات التي أعقبت حكم الفريق إبراهيم عبود (1958-1964)، لأنه وحده الذي لا علاقة له بالسياسة الحزبية، وهو وحده الذي مد الخط الحديدي غربًا وجنوبًا، وأتى بوابورات الديزل بدل وابورات البخار، ولم يتدخل في تعيين قيادة السكة كما فعل الذين أتوا بعده لأسباب سياسية حزبية.
+ بعد حكم عبود بدأت الخيبة في السكة حديد في عهد مايو، الذي قرر يومًا في لحظة غضب تحويل الرئاسة من عطبرة إلى الخرطوم، والورش إلى مدني، والمخازن إلى بورتسودان حيث الرطوبة، وهذا ما اكتشفه رئيس لجنة إنهاء السكة الحديد المرحوم الرشيد الطاهر، وأوصى بأن تظل السكة حديد في عطبرة لمن أراد تطويرها.
+ ومؤكد أن الحكومات التي نسميها الديمقراطية لم تشيد إنجازًا أو تضع فلنكة أو حتى (مزيرة)، وعاد عسكر الإنقاذ وأكملوا الناقصة وقضوا على ما تبقى رغم بعض المحاولات بإعادة القطارات الحديثة الصينية، وحتى هذه أسلمت الروح مع الكثير من إشاعات الفساد.
+ المؤسف، كلهم يقيمون المؤتمرات بشعارات (سنُعيدها سيرتها الأولى) ولا شيء، وقالوا (لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد)، وكان البديل الضربة القاضية الفنية وبيع الموجود: الحديد والمباني.
+ كلهم مسؤولون عن ضياع السكة حديد، وليس بينهم بريء مهما حاول سياسيو آخر الزمن تحميل المسؤولية لجهة واحدة للغرض السياسي، ولم أكن مثلهم وأحاول تبرئة نظام مايو الذي كنت من سدنته، بل أعلنت أنه يتحمل المسؤولية الأكبر.
+ إذا سألني سائل: كيف ترى حل المشكلة وعودة السكة حديد لسيرتها الأولى، وأنه لا بديل عنها إلا هي، أعجز عن الإجابة بعد الدمار الأخير الذي أصاب كل السودان، ولا أعرف هل أضحك أم أبكي مع خبر احتفال أهلنا الرباطاب في أبوحمد الأسبوع الماضي وهم يستقبلون فرقة تأهيل الخط الحديدي من عطبرة لأبوحمد ثم وادي حلفا، وقد كان أول خط حديدي في القارة منذ العام 1897م، أي قبل 130 سنة.

 

تقاسيم .. تقاسيم .. تقاسيم

 

+ في مطار جدة التقيت بصديق كان من كبار رجال الأعمال والرياضة، وعلمت منه اعتزال العمل الاقتصادي نهائيًا، ولم يتردد بالإعلان: (من يواصل العمل الاقتصادي الآن إما حرامي أو يسرق أموالًا أو مدعوم بأجندة خارجية).
+ حقيقة فوجئت، ولكنه أوضح: (مثلاً، التاجر إن اتبع الخطوات القانونية في الاستيراد والنقل المشروع غير التهريب، وأوفى بحق الدولة في الجمارك والرسوم وباع بما يرضيه، فإنه خاسر خسارة كبيرة).
+ كثر الكلام عن الفساد، والبعض لم يتردد بوصفه بأنه الأسوأ بالمقارنة مع ما سبق، سمعت تسجيلًا لمسؤول سابق وصف بالاسم شخصيات في القيادة الحالية بالفساد، ومن هنا نضرب جرس الخطر للقائمين على الأمر بضرورة التحرك العاجل جدًا، وحرب الفساد ليست صعبة لو خلصت النوايا.
+ أتابع في بعض دول الخليج خطواتها لحرب الفساد وردع المفسدين، وكمثال: السعودية أعلنت نظام (نزاهة) باستخدام وسائل التواصل الحديثة مع كامل الحماية لمن يقدم المعلومة، وبعد التحقيق تصدر العقوبة الصارمة على المفسد بالمصادرة وسحب الترخيص والتشهير بنشر كل ذلك في أجهزة الإعلام على حسابه، من (يدق ضدره). أياك أعني، وأسمعني الفريق البرهان أو الدكتور كامل إدريس.
+ أتمنى ألا يكون صحيحًا ما سمعته عن محاولات لقيام برلمان أو مجلس تشريعي لاستكمال شكل الدولة والتشاور مع القوى السياسية لاختيار العضوية. وأين هي هذه القوى السياسية؟ إن كان لابد، فليكن المجلس من شخصيات ذات خبرة وسمعة مستقلة، وما أكثرهم، بدون أي أعباء مالية على الدولة، وعلى القوى السياسية العودة لقواعدها إن وجدت.
+ مؤتمر لقضايا الشباب عنوان جميل، ليت تحته عمل جاد لفصيلة الشباب. اقتربت من الثمانين، ولكنني منذ الخامسة عشر من عمري انتظمت مع الشباب، منها اتحاد الشباب السوداني المحسوب على الحزب الشيوعي، وشيدنا معهم مقبرة شهداء الجمعية التشريعية واستراحة مراقبي المرضى بمستشفى عطبرة.
+ مايو كانت الأكثر اهتمامًا بالشباب، ويكفي أنها أحدثت وزارة الشباب، وكان الوزير الأول الدكتور منصور خالد، وتولاها بعده كبار رموز الدولة، ونجحت حركة الشباب، ولكن بعد مايو ضاعت مع الحزبية وتعيين الحكومات لشخصيات من الهامش أو من أجل الترضيات السياسية. لا أتوقع جديدًا لحل قضايا الشباب.
+ أحس بالجدية في أداء وزير الصحة الحالي الدكتور هيثم محمد إبراهيم، لا أعرفه، ولكن من خلال نشاطه وعلاقته بالأجهزة الدولية وإعادة أكثر من نصف المستشفيات، أتردد حين أكتب مشيدًا بمسؤول، ذلك أن هذه (الخصلة) صارت مصدر دخل إلا من رحم ربي.
+ صرنا نتابع ونقبل بأي مشروع اتفاق لتحقيق السلام وعودة الاستقرار، خاصة إن كان وراءه من نثق فيهم من الأصدقاء: مصر وتركيا والسعودية وقطر، وألف مرحبًا بمشروع الاتفاق الجديد، وأجدد ضرب المثل بالشقيقة سوريا وزعيمها أحمد الشرع، الذي من أجل شعبه نزع عباءة أبو محمد الجولاني الداعشي. وأمس أعلنت أربع شركات سعودية ضخمة التعاقد لإعادة تأهيل نظام الاتصالات والطيران والمستشفيات والموانئ في سوريا الجديدة.
+ استضاف تلفزيون السودان أول أمس الصحفي السوداني الكبير المغترب بلندن، الأستاذ عثمان ميرغني. وعلقت للاخوة في التلفزيون فلتكن الاستضافات هكذا (ولا بلاش). الأخ عثمان ميرغني تزاملنا في صحيفة الشرق الأوسط 14 سنة، وتولى منصب نائب رئيس التحرير.
+ قد نلتقي السبت القادم إن كان في البدن صحة وفي العمر بقية.