عندما تذبل النهارات

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

عندما تذبل النهارات

 

*الشتاء والهواتف وشح الأندية الاجتماعية وتشتت الأسر في شتى الأصقاع جعل الناس يعاودون (شحن وتخزين) أنفسهم داخل المنازل والمنافى ومتابعة المسلسلات المعطوبة ذات القصة الواحدة إن بقيت شاشة أفلتت من السرقة أو كهرباء بتعاود الظهور بمزاجها، أنا لست من أنصار صرف النظر عن المسلسل ولكني من دعاة إعادة ابتكار نمط علمي وعملي لقصة الحب العربية.

*بعيداً جداً عن الرجل هل جلست النساء ولم أقل (قعدن) وتحدثن بصراحة من هي المرأة؟ وماهي مشاكلها الحقيقية؟ نعم بعيداً جداً عن طرح الرجل لأن الرجل متهم بانه يبتدرً بالقضية الخاسرة عند هذا الجدل. خاصة أن الرجل الذي نراه لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق ولا يعاقر الأشواق ، واذا حق لنا ادانه واو الجماعة في هذه المرحلة فاننا نعترف بان الرجال اصبحوا لا يصنعون الطعام ولا ينتجونه ولا يمشون في الاسواق ولا يعاقرون الاشواق.

*الكثيرون يعرفون الخروف والملايات والخبز والخبيز و(الحاجة الباردة) ولكنهم قطعاً لم يسألوا أنفسهم ولو لمرة واحدة يستعدون لسؤال أطفالهم ما هو العيد؟
حارتنا ليس بها حديقة عامة ولا مقهى ولا نادٍ ولا صالة استماع ولا صالة سينما ولا قصر للثقافة ولا مكتبة عامة.. العجيب أن كل هذا ممكن ولكن (المحقة) الشعبية والرسمية هي وحدها المسؤولة. هل عرفتم سر هذا السخط العام.. حتى المسجد الرحيب جعله البعض بتقسيماتهم وتزمتهم غير محايد، بل جعلوه ساعة للصمت والإغلاق حتى قدوم الصلاة القادمة وفوق ذلك لا يتوقف القرع على رؤوس الشهود إنه لفلان أو علان أو لهذه الفئة أو لتلك الجماعة، ورغم ذلك ومن باب الغبش (بفتح الغين) يصرون أن المساجد هذه لله فلا تدعو مع الله أحداً.
إنها مشكلات الانقسامات والتحزب والأمية الدينية التي أذهبت رونق التدين وألق الحياة، واشهرت الاعتقاد الشكلاني هذه الجمل تصلح لسودان ما قبل النكبة أما بعدها فانني اعتذر عن مقردات من شاكلة الحلوي والخبيز و(الحاجة الباردة) بل اني اعتذر عن العيد.

*كنت أتمنى أن أستمع لبرنامج فكري رصين بعد ان عاودت بعض الاذاعات والقنوات بثها المحدود، ليلة شعرية أو تجربة جادة لنجم أو نقد ذاتي.. ولكن الجميع يصرون على (طق الحنك) والحديث الذي لا يحتاج لجهد إلا جهد إطلاقه في الهواء الطلق ليصيب وهو غالباً لا يصيب لأنه معيب..

*أخطرني عشرات الشباب (الصبيان) عن ميقات زواجهم، بعضهم مشافهة وبعضهم كانوا يحملون معهم بطاقة الزفاف البسيطة والمترفة حسب السلم الاجتماعي، ولم تحدثني فتاة واحدة عن موعد زواجها مما جعلني أتساءل لأكثر من يوم ترى كيف تتزوج النساء؟
يا غرامي الأول
ذكرى لا تتحول
من فؤادي وروحي
وللحبيب الأول
عزيزي الراحل محمد دسوقي والراحل رمضان حسن رغم جمال النص واللحن وخطورة المناسبة إلا أن الحب الأول ليس على الإطلاق هو الحب الأكبر.. والفرق بين الأول والأكبر كبير ولا شنو يا حلنقي؟

*من القصائد الجميلة لناظم حكمت قصيدة ساعي البريد هذا الصنايعي والموظف الصغير الحبيب الذي انقرض بانقراض المهنة، ولكن بقيت الذكرى والرمز والرسائل الجادة والحالمة يقول ناظم:
كانت أمنيتي في صباي
أن أصبح «ساعي بريد»
مع أنها مهنة شاقة في تركيا
ففي هذا البلد الرائع
يحمل الساعي برقيات
مثقلة بالأحزان
ورسائل كتبت أسطرها بالدم والدموع..

*مفردة نعم كلمة مثقلة بالفاكهة والرضى والخوف المطمئن والوظيفة وحب الكبار وربتهم على اكتاف الهناءة والامتيازات.. (نعم) كلمة تقال عند الدخول والنوم والطعام، ولكن كل أهل العقول بلا تفريق يؤمنون بمفردة (لا) فهي ليست بالحرف ويحبونها ويتداولونها باختصار ولا.. هي (نعم) العارفين!!

*ما الفائدة المرجوة من صحافة وشاشة وعشق يجعل الإنسان يتثاءب!!

* من الشعارات التي كانت تكتب في مداخل مسارح الستينات شعار كان جالساً في مقدمة القارب، بينما لاحظ تسرب الماء في الناحية الأخرى من الأفضل ألا تدير بصرك بعيداً يا صديقي.
فلست بعيداً عن بصر الموت.

* كان وسيماً قسيما ابيض المحيا، وكان عابدًا تقياً وحافظاً. وقرب نسمات الفجر أعجبته قراءته للقرآن وقيامه وصلاته فأصابه (شطح عارض) فصاح اللهم إني قد أحببتك فامتحني أنّى شئت، فأصابه منذ صباحه ذاك (عُسر في التبول) وأصبح يغالبه ليل نهار، وقد شاهده أصحاب الأحوال بعدها بأشهر وقد إسود وجهه وهو يتنقل بين كتاتيب الأطفال ويقول لهم باكياً (ادعوا لعمكم الكذاب).

*قد يكون معلماً دارساً وهذا ما لا يفعله أبناء بحر أبيض الميامين مع سلامي لأهلي اللحويين الفرسان بمرابيع ود اللبيح، وقد تكون بئراً معطلة وقصراً مشيد، وقد تكون حديقة في أكمّتها ذوت وقد تكون قرية سودانية منتجة أو مدينة صغيرة مخضرّة ضربتها الهجرة فأقفرت، وقد يكون منبراً مخضراً بالوعد والشعر والخطابة فصار بعد تفرق الأحبة عوداً بلا هتاف وحطباً بلا قريض أو قل دولة صارت بعد الهجران والضعف دويلة وصارت الدويلة بعد النزاع والتنازع والخلاف والاختلاف والتخلف مزقاً واقطاعيات، وهنا لا يبقى إلا بكاء الشعر حسرةً على فائت كما قال شاعر النيل:
لم يبق شيء من الدنيا بأيدينا
إلا بقية دمع في مآقينا
كنّا قلادة جيد الدهر فانفرطت
وفي يمين العُلا كنّا رياحينا
كانت منازلنا في العز شامخة
لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
وكان أقصى مُنى نهر المجرة لو
من مائه مزجت أقداح ساقينا
والشهب لو أنها كانت مسخَّرةً
لرجم من كان يبدو من أعادينا
فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا
شذراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا
حتى غدونا ولا جاه ولا نشب
ولا صديق ولا خلٌ يواسينا