
إسحق أحمد فضل الله يكتب: (جسر إلى التسعينات)
مع إسحق
إسحق أحمد فضل الله
(جسر إلى التسعينات)
وأين تسهر هذا المساء…؟
كنت تسهر مع فيتوريودي سيكا… أو في استاد الخرطوم… أو مع كتاب، أيام كانت أكشاك الخرطوم تأتي بالكتاب ورائحة الحبر فيه، وله حلاوة رغيف ود اللغا…
…
والفطرة تنبت عند أهل الغرب الإبستيني مثل زهرة وسط الصحراء.
وفي فيلم المحادثة، فتاة تنظر إلى شيخ هرم لا أهل له، يتكرفس فوق كنبة في الطريق تحت برد يشق الحيطان، ولا فرق بينه وبين برميل الزبالة القريب، والفتاة تنظر إليه حزينة وتقول:
هل كان هذا الشيخ يومًا طفلاً له أم تحمله وتقبله، وتحلم بمستقبل بهيج له؟
وعن الفطرة التي تسقي الأرض السبخة التي لا تنبت ولا تسقى قالوا:
في إيرلندا، مدينة صغيرة بها ثمانمائة قبر من جنود الحلفاء قتلوا هناك، وأهالي القرية كل منهم يتبنى قبرًا، يزوره ويحادثه. وكل ميت في القبر هذا كانت له بالطبع أم تحمله وتقبله، وتحلم بمستقبل ممتع له.
الفطرة تنبح…
واسفل سافلين فطرة تنتج غزة… وتنتج الدعم السريع…
الفطرة في السودان جذورها تحت الرمال متخشبة، لكنها تصحو مع أول قطرة ماء، وهي الآن، حتى تحت الحرب، ما زالت حية تتنفس… وتنتظر الفطرة السودانية.
…
والسوداني كان يسهر هذا المساء مع الشلة، والضحك مع النكات أياها… والزمان يجعله يتجارى هاربًا بعرضه وحياته من كلاب الأرض… لكنه الآن يوشك أن يعود.
(وتحت الحرب لا يكاد الإعلام يصدق)، لكن الأخبار الآن صادقة، ومبشراتها تتمدد.
وكل شيء يرتدي ثيابه الآن ليعود.
وكل شيء قديم ينبت الآن مجددًا، ينبت نباتًا له طبيعة نمو النبات… ينبت ببطء، لكنه ينبت. وأنت لا ترى نمو الشجرة، لكن النمو هناك… وأنت لا تكاد ترى شيئًا معينًا ينمو، لكن لك شيء مثل شجرة في غابة، وأنت في الغابة لا ترى شجرة بعينها…
…
والسوداني الذي يقطع المواجع في مصارينه يسهر هذا المساء وهو يقلب فكره ليعرف كيف يحصل على رغيف الغد…
ولهذا نكتب الآن القاموس، ونحاول تفسير العالم الآن… لأن الرغيف لا يكون إلا بمعرفة العالم… ونحن… وأين يقف كل واحد منا من الآخر.
فالسوداني، ومنذ سبعين سنة يمشي فوق كنوز الأرض، لكنهم يمنعونه من إخراجها.
ورعيم أوروبي يقول في الستينات:
أولئك الذين يفسدون النيل… هل يعتقدون أنه لهم؟
ولابد من بداية (صاح)، بداية لا فيها طق ولا شق… تبدأ بالمعرفة… للزمان الجديد.
والتجديد ليس رقاعًا في ثوب، بل مزجًا بين كل نظيف مع كل نظيف.
والنوع ذاك موجود… وهذه أيام حكاية المرأة التي استقالت أو طُردت لما أرادت الحديث بكراسة الأمس في عالم الأراضي.
والابتهاج ليس سببه هو أن مسؤولة طُردت… الابتهاج سببه هو حادثة الطرد ذاتها.
الحادثة التي يجب أن ندق لها الطبول، وننفخ لها ميكروفون الحفل…
ونحدث، في الفترة الأخيرة، عن صناعة السودان الجديد.
ونكرر… نكرر، لأنه قادم، وقريب، وراء ناصية الطريق… والحمد لله.