يوسف محمد الحسن يكتب: العار!!

تحت السيطرة

يوسف محمد الحسن

العار!!

منذ سنوات ونحن نردد الحقيقة الموجعة الدوري السوداني هو الدوري الوحيد في العالم الذي لا تُحسم نتائجه بالكامل داخل الملعب.
صافرة الحكم لا تعني النهاية الحقيقية، والفرح بالانتصار يظل مؤجلًا، لأن هناك دائمًا إحتمالًا أن تتغير النتيجة لاحقًا داخل المكاتب، عبر ما يُسمّى بالشكاوى التي أصبحت طريقًا سهلًا ومتاحًا لتعويض خسارة الميدان، وكأن ما عجزت عنه الأقدام تنجزه الأوراق.
في كل دوريات العالم، القوية و الضعيفة، تُعتمد نتيجة المباراة لحظة إطلاق صافرة النهاية، ويعود كل فريق لعمله بناءً على ما قدمه داخل المستطيل الأخضر، منتصرًا كان أو خاسرًا.
أما عندنا، فلا يمكنك أن تفرح بانتصار فريقك مطمئنًا، ولا أن تحزن على هزيمته يقينًا، لأن كل شيء قابل للتبدل حسب علاقاتك وطول يدك بقرار إداري لا علاقة له بما جرى في الملعب.
المشهد أصبح عبثيًا إلى درجة أن الجماهير باتت تتابع بيانات اللجان أكثر مما تتابع المباريات، وتنتظر ما سيصدر من المكاتب أكثر مما تنتظر ما سيحدث داخل الملعب.
وبعيدًا عن قضية الموسم التي بطلها المريخ كعادته، فإن مبدأ تغيير النتائج في المكاتب، مهما كانت المبررات، أمر غير مقبول ويطعن مباشرة في عدالة المنافسة.
كرة القدم تُحسم بالجهد والعرق والتنافس الشريف، لا بالأوراق والطعون، وما يحدث الآن جعل الانتصار ناقص الفرح، والهزيمة ناقصة الحسرة، لأن كل شيء قابل لإعادة النظر، وكل نتيجة قابلة للتعديل، وكأننا أمام بطولة تُدار بالحسابات الإدارية لا بالنظم الرياضية المعروفة في الدوريات المحترمة.
ما يحدث، بكل أسف، أفسد طعم المنافسة، وجعل النقاط في أحيان كثيرة محل شك، حتى فقد الدوري جزءًا كبيرًا من عدالته وهيبته.
لم يعد السؤال من هو الأفضل داخل الملعب؟ بل من هو الأقدر على كسب المعركة خارج الميدان؟!.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية حين تتحول كرة القدم من لعبة تُحسم في تسعين دقيقة إلى صراع يمتد لأيام داخل الغرف المغلقة.
المفارقة الواضحة أن معظم الشكاوى المؤثرة في مسار البطولة يكون طرفها المريخ؛ فهو النادي الوحيد الذي كسب بطولتين عبر الشكاوى في موسمي (2015) و(2018)، ولا ننسى دوري الخرطوم وواقعة (شكاك) الشهيرة، التي ما زالت حاضرة في الأذهان كنموذج لحسم البطولات خارج الملعب… والأمثلة كثيرة.
هذه الوقائع لم تعد أحداثًا عابرة، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة الدوري، تُستدعى كلما تكرر السيناريو نفسه، وكأن شيئًا لم يتغير.
الأخطر من ذلك أن هذا النهج قتل روح التنافس، وضرب ثقة الجماهير في عدالة البطولة، عندما يشعر الجمهور أن نتيجة فريقه قد تُسحب منه على طاولة الاجتماعات، يفقد إرتباطه باللعبة، ويتحول الشغف إلى فتور، والدوري الذي تفقد جماهيره الثقة فيه يفقد بالتدريج قيمته ومكانته واحترامه.
ما يحدث في الدوري مؤسف بكل المقاييس، ويُعد فضيحة حقيقية في حق المنافسة، و استمرار هذا النهج بمثابة رصاصة رحمة على ما تبقى من الدوري الممتاز، الذي فقد بريقه وسمعته واحترامه، ولم يعد ذلك الدوري الذي يُضرب به المثل في الإثارة والندية، بل أصبح ساحة مفتوحة للجدل والاعتراض والتأويل.
الكرة مكانها الملعب، والبطولات تُنتزع بالأقدام لا بالملفات، العدالة تُصنع تحت أضواء الملاعب لا فوق طاولات اللجان.
وإن استمر تغيير النتائج في المكاتب، فلن يبقى من الدوري سوى اسمه… وستظل الجماهير تتساءل كل موسم، من فاز في الملعب؟ ومن فاز في الأوراق؟.