
الشاعر الصادق الياس .. حكيم الأغنية السودانية
الشاعر الصادق الياس .. حكيم الأغنية السودانية
بقلم: أمير أحمد حمد
أخت اللوم على نفسي
ولا أتحسر على عمري
ولا أكوس حنيني الراح
مع الغائبين فضل يجري..
أخت اللوم على نفسي
وأرجع أقول أنا الغلطان
ما شفنا الندامة تفيد
تفيد زولا رجع ندمان
رجعت أفتش مكاني الفات
لقيت جا عصار غشا البلدات
وعاد كيفن ألاحق الفات
وألاحق الريح وقت يجري..
حكايتي مع الملام طالت
وديمة أعيدا..
أتأسف فقد محبوب.. على مكتوب
أقش في دمعي ما اتجفف
متين يا غيمة ترمي الضل؟..
وأفر البسمة زي الكل
تهل البهجة فوقي تطل
وأكون نوال جزيل صبري
يا ريت اللوم يرجعني
ويرجع حالي لي حالو
وألم الباقي من عمري
وأجيب البال من الشالو
وأخت أحزاني وأترّيح
من أولى كلمات الشاعر الصادق الياس التي أعادت الأستاذ أحمد الجابري إلى براح وسواح الأغنية السودانية بعد أن ترك الغناء متأثرًا بوفاة والدته التي ارتبط بها ارتباطًا وثيقًا، وكانت ذات طابع حزين في كلماتها، كما كانت هذه الأغنية بداية شهرة الشاعر الصادق الياس حكيم الأغنية السودانية، لأن معظم مفردات كلماته يستخدم فيها الكلمات التي كان يسير بها عامة الشعب.
والصادق اليأس من أبناء الجريف غرب، من مواليد النصف الثاني من ثلاثينيات القرن الماضي ١٩٣٨. كان عاشقًا لمنطقته الجريف غرب، وأغنية الجريف واللوبيا التي تغنى بها الجابري أيضًا ستظل شاهدة على حبه وعشقه لتلك المنطقة، مصورًا جمال طفولته فيها وأشجارها الباسقة والحركة الدؤوبة على شاطئ النيل. وبالمقابل أبدع الفنان أحمد الجابري في وضع لحنها الذي استخدم فيه السلم السباعي في إحدى كوبليهات الأغنية فأصبحت لوحة زاهية.
التحق الصادق الياس بخلوة الفكي علي بالجريف ومكث فيها مدة من الزمن، ومن ثم التحق بالكتاب حتى العام الرابع، وبعدها ترك الدراسة ودخل المنطقة الصناعية وتعلم حرفة النجارة، تلك الحرفة التي امتهنها عباقرة الفن السوداني أمثال الفنان إبراهيم الكاشف، والتحق بركب المبدعين في مجال الأغنية السودانية من شعراء وفنانين الذين امتهنوا حرفًا صناعية، فازدهرت بهم الأغنية السودانية، أمثال عوض جبريل، حميدة أبوعشر وإبراهيم عوض وعثمان حسين وغيرهم.
كان الصادق محبًا للغناء منذ نشأته الأولى، فكان الأطفال يجتمعون حوله وهو يغني لهم بعضًا من أغنيات الرواد.
وفي عام ١٩٥٧، وبموهبته الفطرية وحسه الفني العالي، بدأ يكتب المنولوج، وهو فن كان سائدًا آنذاك اشتهر به الفنان بلبل، فقد كان الصادق اليأس يكتب على منوال الأغنيات، فكتب على نسق أغنية أحمد المصطفى «أيام بتمر ووراها ليالي»، فكتب على وزنها «عربات بتمر ووراها لواري وأنا يا ناس ماشي كداري»، وكتب أيضًا عن الفلس على وزن أغنية «لي حبيب شاغل بالي»، فكتب «أنا الفلس شاغل بالي ودائمًا محطم آمالي»، وهذه المنولوجات يقدمها بنفسه بطريقة إلقائه المحببة.
وهذه المنولوجات قد أذكت فيه كتابة الشعر واستخدامه الحكمة في شعره، وبعدها انتقل إلى كتابة الأغنية كعامة شعراء عصره، فأبدع فيها أيما إبداع حتى صار رقمًا كبيرًا لا نستطيع أن نتجاوزه في خارطة الغناء السوداني.
وتغنى بكلماته عدد من المطربين، وعلى رأسهم المطرب صلاح ابن البادية، فتغنى بعدد خمس أغنيات، ومنها:
الباقي باقي أصلو دنيا الحب محن، وتعال يا ليل وفوت، يا نهار وعدي بي، يا شوقي عدي، وأراضي بلدنا، وليالي الصبر والمقادير.
كما غنى من كلماته إبراهيم اللحو بأغنية «شوف عيني الحبيب بحشمة لابس التوب»، كما غنى من كلماته أيضًا صديق عباس أغنية «عيون في الغربة بكاية»، وغنى من كلماته أيضًا زكي عبد الكريم أغنية «إنت يا بسام»، وأغنية «المدلل». تغنى له الفنان الأمين عبد الغفار بثلاث أغنيات منها «قصة الشوق يا حياري» و«حب الناس يحبوك». كما غنى من كلماته أيضًا الفنان خوجلي عثمان بأغنية «يا روحي هاجري وفتشي»، كما غنى له الجابري، كما ذكرنا، «حكاية ملام» و«الجريف واللوبيا» و«من طرف الحبيب».
ومن جميل كلماته التي تغنى بها الطيب عبد الله أغنية «والله مسكينة المحبة» والتي تقول كلماتها:
راح زمان كان ليك مكانة
وكنت أقرب مني لي
وفجأة اتغيرت أنت
ورحت تتكبر علي
يا ما طال صبري وهديتك
وقلت يوم حالك تسيبو
ما نفع فيك التوسل
أنت زول برخص حبيبو
وابتديت أفكر لعمري
الحق الفضل أجيبو
لو ضميرك راضي سيبني
قلبي رضيان بنصيبو
قبل ما تغير دروبك
كنا بنماسيك نصابحك
رحت ترخص بي مقامنا
يلا بيعنا وشوف مصالحك
ما بنعاكسك في طريقك
بالعذاب ما بنصارحك
بالعملتو أنت فينا
الله يا ظالم يسامحك
والجدير بالذكر أن الشاعر الصادق الياس قد أصدر ديوانًا بعنوان «ملامح ريفية» شمل معظم أغنياته.
وفي اليوم الحادي عشر من شهر يوليو من العام ٢٠٢٣ انتقل الشاعر الصادق الياس إلى جوار ربه بعد معاناة مع المرض، نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته.