السودان والاتحاد الأفريقي .. أزمة الثقة وتباين المواقف

السودان والاتحاد الأفريقي .. أزمة الثقة وتباين المواقف

تقرير: الهضيبي يس

يعيش السودان منذ نحو أربع سنوات حالة من الخلاف البارد وأزمة انعدام الثقة مع الاتحاد الأفريقي، نتيجة لتباين المواقف السياسية وتعدد التحالفات الداخلية داخل المنبر الأفريقي، ما أفرز واقعاً مغايراً اتجاه السودان أدى إلى تعليق نشاطه في المنبر الأشهر بالقارة. ويعد السودان أحد أبرز دول منطقة وسط وشرق أفريقيا ومن مؤسسي الاتحاد الأفريقي، الذي تأسس منتصف خمسينيات القرن الماضي بهدف تحقيق وحدة أفريقية ومواجهة القضايا الكبرى للقارة، خصوصاً ثالوث الفقر والجهل والمرض، إضافة إلى الهيمنة الاستعمارية التي طالما عرقلت حقوق الأفارقة المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. ومر السودان بتعقيدات سياسية كبيرة خلال السنوات الماضية، آخرها الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وقبلها ثورة ديسمبر 2019، ما فاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ودفع الجيش إلى التدخل لتولي زمام المسؤولية في مواجهة التهديدات الأمنية والجيوسياسية المتزايدة. وفي الوقت الحالي، يخوض السودان معارك عسكرية في ولايات دارفور وكردفان بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مع التركيز على البعد الدبلوماسي عبر تعزيز علاقاته الخارجية وتحالفاته في منطقة القرن الأفريقي، خصوصاً مع القوى المؤثرة وأصحاب الخبرة السياسية والدبلوماسية، انطلاقاً من مسؤولياته الإقليمية وتزايد المخاطر في القارة، ولا سيما دول منطقة البحر الأحمر.

 

 

 

وتولى رئيس بوروندي، إيفاريست ندايشيميي، رئاسة الاتحاد الأفريقي لعام 2026 خلفاً للرئيس الأنجولي، خلال افتتاح القمة التي انطلقت مطلع الأسبوع بمشاركة رؤساء وممثلي حكومات عدة، وفي ظل غياب السودان للعام الخامس توالياً جراء تجميد عضويته، مطالباً القادة الأفارقة بإصلاح مفوضية الاتحاد، واعتماد هيكلية جديدة للقيادة العليا تشمل مبدأ التناوب بين الجنسين. كما تبنت القمة إصلاح مجلس الأمن، مجددةً مطلب الاتحاد الأفريقي بتمثيل دائم للقارة في المجلس، واصفين غيابها الحالي بأنه “غير مقبول”. وأعلن ندايشيميي إطلاق موضوع سنة 2026 تحت عنوان “تأمين وتوفير الماء الصالح للشرب والصرف الصحي الآمن”، موضحاً أن المداولات ناقشت التحديات الكبرى للقارة، بما في ذلك النزاعات المسلحة، مؤكداً انشغال بلاده بالصراعات التي تعرقل النمو.
وأكد ندايشيميي تبني القادة لخارطة الطريق للإسهام في “إسكات البنادق” وترسيخ منظومة السلام القاري، معرباً عن قلقه البالغ من استمرار النزاعات المسلحة، ومؤكداً أن الاتحاد الأفريقي “مناهض لأي تغيير للسلطة بالقوة”، مشيراً إلى تجذر الإرهاب وجرائم عابرة للحدود في منطقة الساحل.
كما أقر رئيس الاتحاد بالفشل في تفعيل التبادل التجاري بين الدول، مرتبطاً ذلك بالاستقرار الداخلي، فيما أشار مفوض الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، إلى أن القمة ركزت على الجهود الاستراتيجية المتعلقة بالسلم والأمن والإصلاحات داخل الاتحاد ومشاركة الاتحاد في مجموعة العشرين. وشدد يوسف على “عدم التسامح مطلقاً” مع التغييرات غير الدستورية والانقلابات، مؤكداً أهمية إسكات البنادق وخلق الاستقرار، وأن الاتحاد يمتلك برامج لإيقاف الحروب الجارية، محذراً من تأثير الانقلابات على الاستقرار الإقليمي. وأضاف أن الاتحاد يدعم تحرك غانا لطرح ملف “العبودية” أمام مجلس الأمن بدعم كامل من الدول الأفريقية الـ 55.
من جهة أخرى، ذكر مسؤول في الاتحاد الأفريقي لموقع “سودان تربيون” أن هناك تحضيرات لاستئناف الحوار بين القوى السياسية السودانية ومعالجة تداعيات الأزمة الإنسانية، بعد تأجيل مشاورات الحوار السوداني – السوداني التي كانت مقررة في جيبوتي خلال ديسمبر الماضي، نتيجة انقسامات حول الأطراف المشاركة ومنهجية الحوار.
وأكد المسؤول أن الاتصالات جارية حالياً مع القوى السياسية لاستئناف الحوار، مشيراً إلى تطورات مهمة في الملف دون الإفصاح عنها. كما تواجه اللجنة المعنية بالمسار السياسي السوداني خلافات بسبب بنيتها الهشة وعقد شخصيات داخلها لقاءات سرية مع أطراف الصراع في بورتسودان ونيالا.
وفي السياق ذاته، أكدت مصادر أن رئيس الاتحاد الأفريقي الحالي يقود توجهاً جديداً لحل الأزمة السودانية عبر هدنة إنسانية تشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار وحوار سوداني شامل.
ويشير الصحفي والمحلل السياسي عباس محمد صالح إلى أن الدعوات لإصلاح الاتحاد الأفريقي تتزايد، مؤكداً أن عدم اتساق الميثاق وسلوك بعض الدول خلق خلافات، وفاقم الأزمة خاصة مع اتخاذ بعض الدول مواقف سياسية تجاه السودان. وأضاف أن السودان اتبع منهجاً جديداً لترسيخ رؤيته السياسية بعد حرب أبريل 2023، معتبرًا ما قامت به قوات الدعم السريع تمرداً على الدستور ومؤسسات الدولة، مع وقوع انتهاكات ترتقي إلى مستوى الجرائم الإنسانية دون تحرك الاتحاد الأفريقي.
وزاد عباس: “مواقف الاتحاد الأفريقي كانت مؤسفة للسودان خلال السنوات الثلاث الماضية، وقد انعكس ذلك على مصالح بعض الدول الأعضاء، لكن من المتوقع أن تؤدي الدبلوماسية السودانية إلى اختراق سياسي يحقق تغيرات مؤثرة مستقبلية.”