
أحمد الشريف يكتب: (الجزيرة) قبيلة سودانية
كتابات
أحمد الشريف
(الجزيرة) قبيلة سودانية
حين اجتاحت المليشيا الجزيرة، كانوا يرددون (عسكري، فلول)، وينهبون ويسفكون الدماء ويخربون تحت هذه الراية النجسة..
أما في شرقها، حين اجتاحوا قرى ومدن الشرق، فتغيرت الراية إلى (القبيلة) بشكل أساسي، فكان غزوهم لـ(شرق الجزيرة) هجمة انتقامية أفظع من حملة الدفتردار، فطالت الكل بدون تمييز..
فالشيء بالشيء يذكر؛ دخل عليّ في (رفاعة) صباحاً ثلة من ضباع المليشيا الضارية مدججين بالسلاح، سألني أحدهم: “أنت جعلي؟”، قلت له: “لا”، “شايقي؟”، “لا”، “دنقلاوي؟”، قلت: “لا”. وبنهره: “قبيلتك شنو؟”. وعشان (أتخارج): “رفاعي (قبيلة البيشي زولكم)”، وفعلاً والدة جدي رفاعية، فلم تشفع لي، فاعتدوا عليّ ونهبوا. وفي اليوم التالي تكرر ذات المشهد بصورة أعنف؛ وضعوا سيفًا على رقبتي وضربوني (بالدبشك) لأخبرهم بالمنازل المخبأة فيها العربات، فلم أفعل.
تيقنت أن هؤلاء الأشرار المارقين هم (لصوص إرهابيون) باسم القبيلة، المرآة المشروخة، دفعتهم مليشيا (دقلو) وذراعها السياسي لتحقيق حلمهم؛ فلا هي بالقبلية التي تحكمها الأعراف والتقاليد التي نعرفها، وأقلها احترام الكبير.
وبما أني من مواليد الجزيرة، فلله الحمد، فإن جزيرتنا، وأقصد (جزيرة سنار) كما جاءت في التاريخ، طينتها (السنارية) تشكلت لقرون من كل القبائل، فانصهرت في بوتقة شعب الجزيرة السنارية، ما يعرف الآن بالوسط، فخرجت من ضيق قبيلة (العرق والدم) إلى قبيلة جغرافية تضم الكل.. قبيلة تصاهر وتداخل وتبادل منافع، لها ثقافتها ومزاجها الخاص. (قبيلة كبيرة اسمها قبيلة الجزيرة)، فخذ من أفخاذ شعب السودان.. المظلة التي تضم الجميع شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا.
فشيء مقزز وفي غاية النتنة، أن ما تشير به كتابات وأصوات البعض من (أبناء الجزيرة) عن جهل بقبلية لا وجود لها في الجزيرة كـ(كاهلي، جعلي، خالدي، رفاعي، وعقلي، ولحوي، وعركي، وشكري، وشايقي.. إلخ)، شيء نتن وقبيح..
فإلى من في نفوسهم هذه الأفكار الطوباوية، وحتى لا تفقدوا بوصلتكم وتضل مراكبكم في بحر لا ساحل له، أقول لكم يا سادتي: إن (الجزيرة) تربتها لا تقبل (شجرة القبيلة)، وقد حاول من قبلكم آخرون ففشلوا..
فالثقافة والسلوك (الصوفي) الغالب على تدينها لقرون، أسقط عنها (تعصب القبيلة) لتصبح (الطرق الصوفية) هي حواضن اجتماعية لها وذات تأثير اجتماعي وسياسي، إضافة للجغرافيا الاقتصادية وعوامل أخرى رسخت ترابطها الاجتماعي. فدعوا هذه الأفكار الميتة، واصطفوا خلف (قبيلتكم الجزيرة) بذات سماحة وفطرة إنسانها الذي لا يعرف من هو قادم إليها من أي قبيلة، فيسميه بالجهة القادم منها (شرقاوي، شمالي، كردفاوي، غرباوي). فقبيلة الجزيرة جيناتها خالية من نتانة القبلية المتعصبة، وجسدها لا يستجيب لأي دعوة لمسميات قبلية أخرى، فدعوها، إنها منتنة… فكونوا معها ومع الوطن الكبير الجامع.
وحيا الله مطروحة الجبين..