السعودية في أفريقيا .. حراك دبلوماسي لإطفاء نار الحرب في السودان

السعودية في أفريقيا .. حراك دبلوماسي لإطفاء نار الحرب في السودان

تقرير: الهضيبي يس

على ما يبدو أن حالة التقارب السعودي – السوداني بدأت تزعج بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي لها مصالح بمنطقة القرن الأفريقي، من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، والإمارات، وسط حالة الاحتمال المتوقع بإعادة تشكيل تحالفات الدول المطلة على البحر الأحمر بصورة اقتصادية وحيوسياسية. وهو ربما ما دفع “السعودية” للتحرك نحو السودان بشكل أكبر مما هو عليه في أي وقت سابق، فقد كانت زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان للعاصمة السعودية الرياض خلال شهر ديسمبر الماضي أحد خطوات إعادة ضبط وتنظيم طبيعة العلاقات، خاصة فيما يتعرض له كل دولة من مهددات أمنية. فالسودان يعيش حربًا اتسع نطاق الاقتتال فيها نتيجة للتدخلات الخارجية، بينما “السعودية” يداهمها الخطر بسبب التفلتات الأمنية على حدودها مع اليمن جنوبًا، وآخرها ما حدث بمحافظات حضرموت والمكلا. ما يعني ضرورة التنسيق وتكثيف المجهودات للحد من أي مخاطر وخطوات استباقية قد يكون لها مردود وعواقب يُخشى عدم تداركها مستقبلًا، سيما وأن تحرك “الرياض” اتجاه الخرطوم ناتج عن الدور السعودي وسط مجموعة ما يعرف بمبادرة الرباعية وتحالف الاتحادات من الاتحاد الأفريقي، والأوروبي، والأمم المتحدة لحل أزمة الحرب في السودان، بينما يظل تمسك “الجيش” السوداني بمواقفه السابقة، والتي تصحبها جملة من الاشتراطات، أحد أهم عوامل أي مبادرة سياسية لحل الأزمة وإرساء دعائم السلام.

 

وكثفت المملكة العربية السعودية من تحركاتها الدبلوماسية بمنطقة وسط وشرق أفريقيا بحثًا عن دعم إقليمي بمباركة دولية لإنهاء الحرب في السودان، وهو ما سيحقق لها عدة مكاسب جيوسياسية واقتصادية في بلد يتمتع بإمكانات وقدرات، أقل ما يوصف به أنه مستودع القارة السمراء. فقد شكلت زيارة وزير الدولة بالخارجية السعودية وليد الخريجي لعاصمة الجنوب السودانية (الثلاثاء) بحثًا عن إحداث تقارب جديد ما بين جوبا والرياض، مستخدمة في ذلك أداة الاقتصاد لزيادة حجم استثماراتها في الدولة النامية، وهو ما قد يحقق لها، وفقًا لمراقبين، عدة مكاسب جيوسياسية تكفل لها حل إنهاء الحرب في السودان. لقاء الخريجي برئيس سلفاكير يكاد هو الأهم نظرًا لأهمية الزيارة التي تأتي، من حيث التصنيف، ثانية بعد “أديس أبابا”، ومحاولات ومساعي الاختراق السعودي عن طريق الفعل الدبلوماسي، وما قام به وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وربط الفعل السياسي بالمستقبل الاقتصادي، واتخاذ ذلكم المدخل لتحييد تحركات الدولة الأفريقية ناحية السودان عبر البوابة الجنوبية بقرب مع النيل الأزرق.
بالإضافة لذلك فقد شكلت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للعاصمة السعودية الرياض دافعًا جديدًا لخطوات إنهاء الحرب في السودان، فقد اتسمت المباحثات المشتركة بين ولي العهد السعودي والرئيس المصري حول مجمل قضايا أساسية تتصل بأمن المنطقة سياسيًا واقتصاديًا، خاصة ما بعد تطورات الأوضاع في بلد مثل السودان، والتأكيد على أهمية بذل المزيد من الجهود لصالح التوصل لاتفاق يفضي لسلام عادل ويحافظ على السودان شعبًا ومؤسسات.
وتشكل الاستثمارات السعودية في مصر أحد أهم الروافع الاقتصادية المهمة للتنمية بدولة، وتعتبر خطوة رفع مستوى الاستثمارات السعودية والتبادل التجاري بحلول مطلع العام 2026 بواقع يفوق 20 مليار دولار سنويًا عبر قناة السويس، وإنتاج الطاقة الحيوية، والإنتاج الزراعي والحيواني، أحد أهم الدوافع للذهاب بعلاقات البلدين للترتيب والاتفاق حول رؤية موحدة.
ويشارك السودان ضمن التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن منذ مطلع شهر يوليو من العام 2015 بواقع لواء كامل يتبع للجيش السوداني، ووفقًا لمبررات الحكومة وقتها أن قرار المشاركة جاء نتيجة لدراسة الأبعاد الأمنية والسياسية التي تجمع الدولتين، ناهيك عن طبيعة العلائق التاريخية. بمقابل، فإن “السعودية” تتولى مبادرة التنسيق المشترك ما بين ما يعرف بدول المتشاطئة منذ العام 2020، من بينها السعودية، والسودان، ومصر، وإريتريا، والصومال، واليمن، وجيبوتي، بهدف مواجهة أي مخاطر ومهددات قد تتعرض لها الدول المطلة على البحر الأحمر.
ويؤكد الباحث في الشؤون الدولية عثمان الدنعو أن “السعودية”، ما بعد أحداث اليمن الأخيرة وارتفاع وتيرة المهددات الأمنية، والتي تكاد قد اقتربت منها بصورة كبيرة، وهي تخوض حرب إعادة الشرعية في البلد العربي منذ مطلع العام 2015، فإن “السودان”، بخلاف أنه أحد أبرز حلفاء السعودية عربيًا وأفريقيًا، فهو صاحب تداخل حدودي مع المملكة عبر المياه الإقليمية عند منطقة البحر الأحمر.
ويضيف الدنعو أن “السعودية”، وهي تعيش هذه الأيام اليوم الوطني للتأسيس، ترغب في أن تجد لنفسها موطئ قدم وسط المعادلة الدولية الجديدة التي سيكون مسرح التنافس فيها هو القارة الأفريقية لعدة عوامل مهمة، أبرزها الأرض، والمياه، والمعادن، والموقع الجغرافي، والطاقة البشرية، ومستودع الاحتياجات، مع ارتفاع حجم الطلب على الغذاء، ومدخلات التكنولوجيا مثل سلع المطاط، والصمغ العربي، والجلود.
وزاد: بينما التحركات السعودية ناحية السودان فلن تتوقف عند حدود لعب أي دور سياسي لإيقاف الحرب، بل إنما تبني مشاريع خدمية استثمارية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب نفسها، فالسعودية بدأت تدرس جيدًا أنها بحاجة ماسة لتطوير علاقاتها القديمة مع بعض الدول مثل السودان، وتغيير طبيعة التعامل من مربع المنح والمساعدات إلى الشراكات الذكية والاستثمارية، حتى لا تجد نفسها خارج المنافسة مع رصفائها ومنافسيها إقليميًا ودوليًا.