الصادق الرزيقي يكتب: الخلاف بين موسى هلال وحميدتي.. لماذا وكيف؟ (1)

أما قبل

الصادق الرزيقي

الخلاف بين موسى هلال وحميدتي.. لماذا وكيف؟ (1)

 

بهجوم مليشيا الدعم السريع على منطقة مستريحة بشمال دارفور أمس وأول من أمس، واستهداف الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد ومحاولة تصفيته واحتلال أرضه ومنطقته وباديته المعروفة، تعود إلى الواجهة نسخة جديدة من الخلاف بين هلال وقيادة مليشيا الدعم السريع، وهو خلاف مستعر منذ نهاية العام 2005م، ولم تفلح محاولات عديدة داخل قبيلة الرزيقات على احتوائه منذ ذلك الوقت، ولا الجهات الرسمية التي سعت في فترات متباعدة إلى لجم أحصنة الخلاف غير المروضة.
قبل الخوض في التفاصيل حول العداء ما بين الشيخ موسى وقيادة المليشيا، يجب الإقرار بأن قيادة المحاميد انعقدت لموسى هلال بتطور طبيعي وفق نظم وتقاليد القبيلة المتوارثة حيث ورث القيادة من والده الشيخ هلال عبد الله الذي ظل على رأس المحاميد لما يزيد عن السبعين عامًا، ثم تنازل عنها لابنه الشيخ هلال قبل وفاته، وقد بلغ عمر الشيخ هلال ما يزيد عن المائة أحد عشر عامًا عندما تولى ابنه الزعامة وهو ليس الابن الأكبر له، وكان موسى فتًى شابًا ممتلئًا بالطموح والآمال، معتدًا برأيه ومبدٍيًا استقلال مواقفه، وكان مثيرًا للجدل بين الإدارات الأهلية والزعامات القبلية في كل دارفور، ونتج عن ذلك خلافات مع السلطات في الإقليم كانت تؤدي به للسجن دائمًا، خاصة الخلاف بينه والفريق أول إبراهيم سليمان والي شمال دارفور سنة 2002م، فذهب للسجن حبيسًا في بورتسودان ومدني، وأُطلق سراحه عقب اندلاع تمرد دارفور والهجوم على مطار مدينة الفاشر في 25 أبريل 2003م، ومشاركته عقب الخروج من السجن في الاستنفار الشعبي ضد الحركات المتمردة آنذاك، ثم تعيينه مسؤولًا لقوات حرس الحدود.
ولم يكن لمحمد حمدان دقلو (حميدتي) وقتذاك ذكر ولا صيت، بعد يوم واحد من الهجوم على الفاشر 2003م، تحرك الفريق أول أدم حامد والي ولاية جنوب دارفور ورئيس لجنة أمن الولاية، ومحافظ نيالا آدم جماع آدم، لتكوين مجموعات للاستنفار الشعبي تحسبًا لأي مهدد أمني أو تمدد لعمليات التمرد في جنوب دارفور، وتم تكوين أول مجموعة من المستنفرين بالولاية بقيادة المقدم (م) صالح الزين وهو من أبناء قبيلة البني هلبة الذي عُهد إليه تكوينها، وضمت المجموعة سعيد حسين ضي النور ابن عمدة الماهرية أولاد قايد في منطقة نيالا، وشخصًا آخر يلقب بـ(زمبهارات) من قبيلة المسيرية في منطقة نتيقة شمال نيالا، ومحمد حمدان دقلو من الماهرية أولاد منصور من منطقة أم القرى شرق جبل مرة شمال منطقة الملم، وتم تنسيق عمل هذه المجموعة مع الرائد حريكة محمد وهو من أبناء المسيرية وكان قائدًا للدفاع الشعبي في قطاع نيالا، أشرف على العمل التنسيقي والاستخباري المقدم محمد محمود من الاستخبارات العسكرية بقيادة الفرقة العسكرية 16 في نيالا.
تم استيعاب حميدتي كجندي ولم تُمنح له أية رتبة عسكرية هو وبقية العناصر التي انخرطت في الاستنفار، وقام حميدتي طوال الشهور الأولى باستقطاب أبناء الماهرية في مناطق نيالا الشمالية والجنوبية وبعض بطون قبيلة الرزيقات الأخرى (العريقات والنوايبة والمحاميد)، ودخل في خلاف حاد مع العمدة عبد الله مصطفى أب نوبة عمدة الماهرية الشهير بمناطق حول نيالا بسبب محاولة حميدتي التمدد فوق صلاحيات الإدارة الأهلية، ولم يحظ محمد حمدان دقلو من الفترة من مايو حتى ديسمبر 2003م برتبة أعلى إلا بعد إظهار قدرته على جلب عناصر إضافية، وبعض التائبين المفرج عنهم من السجون من أبناء القبائل العربية المدانين في قضايا النهب المسلح، ومنح رتبة رقيب أول.
في هذا الوقت من أبريل حتى يونيو 2003م، جرت تحركات حثيثة بين الحكومة وجهات أهلية تم بموجبها إطلاق سراح الشيخ موسى هلال من السجن الذي أودع فيه منذ نهاية العام 2002م، وتم الاتفاق معه على قيادة عملية الاستنفار الشعبي في كل دارفور، ويكون هو المسؤول عن قوات حرس الحدود الناشئة حينئذ، وكان مدير الاستخبارات العسكرية الفريق عوض بن عوف على رأس هذه العملية، يساعده في إدارة هذا الملف العقيد الركن يومذاك عبد الفتاح البرهان وضباط آخرون، زار موسى هلال نيالا والتقى بالوالي وحكومته، وتوجه إلى زالنجي والجنينة والفاشر.
في هذا الوقت قسمت قوات حرس الحدود إلى مجموعات حسب المناطق وكلها تتبع للشيخ موسى ولكل منطقة حكمدار من الرقباء لقيادتها، وكان نصيب محمد حمدان دقلو – حميدتي – قيادة المجموعة حول منطقة نيالا تمتد من مناطق الملم شمال غرب نيالا حتى مناطق جامع أب عجورة وأم ضواً بان جنوب نيالا، بينما تتبع المناطق الأخرى بجنوب دارفور خاصة ديار قبائل (بني هلبة والتعايشة والمسيرية والسلامات والترجم والفلاتة والرزيقات والمعاليا) لحكمدارات آخرين.
بدأ الخلاف يدب بين موسى هلال وعدد من الحكمدارات، بسبب إدارة الملف من قيادة الاستخبارات العسكرية، وتذمر بعض الحكمدارات نتيجة للتحريض من أطراف أخرى، وتمحور الخلاف حول النمر العسكرية وتوزيع الرتب والسلاح والسيارات القتالية، وبدأ يسري وسط القوات رأيًا مناهضًا للشيخ موسى هلال وقيادته، وربما شعر بعضهم بالغيرة من الرجل نتيجة لصعود نجمه وتسليط وسائل الإعلام المحلية والعالمية أضوائها عليه، وبعض الامتيازات التي حظي بها، وقاد ثلاثة من الحكمدارات مع نهاية العام 2005م العمل والتمرد على قيادة موسى هلال وهم (النور القبة في شمال دارفور – إدريس حسن في غرب دارفور – محمد حمدان دقلو في جنوب دارفور)، وامتد الخلاف ضد الشيخ موسى إلى ضباط الجيش المسؤولين من إدارة حرس الحدود، وتأزم الموقف الذي أدى لتمرد هؤلاء (الحكمدارات الثلاثة) في نهاية العام 2006، وأخذ حميدتي السلاح والمدافع والسيارات القتالية وفرّ خارج نيالا، ولجأ أولًا إلى قيادة قبيلة الرزيقات في الضعين لكن الناظر الراحل سعيد محمود موسى مادبو رفض وجوده مع قواته هناك وطلب منه المغادرة، وصار تائهًا في مناطق شرق الجبل وجنوب نيالا وأقصى جنوب دارفور، وغادر إلى تشاد طلبًا للدعم ووقع اتفاقًا هناك مع العدل والمساواة بحضور الرئيس الراحل إدريس دبي.
سعت قيادات من قبيلة الرزيقات في الخرطوم لاحتواء الموقف المتفجر في ولايات دارفور الثلاث بين ثلاثة قادة من حرس الحدود والدولة، سافرت ثلاث وفود من قيادات القبيلة من الخرطوم وزارت القادة الثلاث في مناطق تواجدهم (النور القبة – محمد حمدان دقلو – إدريس حسن) في مواقعهم وتم استرجاعهم لحضن الدولة والقوات المسلحة، وكان القرار الذي تم اتخاذه فصلهم بشكل نهائي عن الشيخ موسى هلال وتقليص صلاحياته، ونشأت مع هذا الإجراء مراكز قوة جديدة داخل دارفور، وحلم القادة الثلاثة وفي مقدمتهم حميدتي بأنهم سيتساوون مع الشيخ موسى هلال وستتاح لهم نفس الفرص وسيحققون المصالح وستكون لهم نفس المكانة، فزادت الضغائن وسرت في الأوصال حمى التنافس وتوسع الفتق على الراتق… وكانت تلك الأحداث هي مقدمة لحدث مهم هو حل قوات حرس الحدود نفسها بعد ذلك بسنتين…
نواصل في الحلقة القادمة.