د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: هل تتراجع إيران أم تتغير معادلات الصراع في الشرق الأوسط؟

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

هل تتراجع إيران أم تتغير معادلات الصراع في الشرق الأوسط؟

في لحظات التوتر الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط، يصبح أي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي حدثاً سياسياً يتجاوز حدود القرار ذاته، ليشكل مؤشراً على اتجاهات الصراع وموازين القوى في المنطقة. وعندما يتعلق القرار بوقف الحرب المرتبطة بدور إيران في الإقليم وتأثيراتها على عدد من الدول العربية، فإن تداعياته لا تتوقف عند حدود وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والاستراتيجي في المنطقة بأكملها.
فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات حالة من التوترات المتشابكة التي تداخلت فيها الصراعات المحلية مع التنافس الإقليمي والدولي. ومع تصاعد هذه التوترات، أصبح خطر اتساع دائرة المواجهة أكثر احتمالاً، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى التدخل عبر مجلس الأمن في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع.
إن القرار الدولي بوقف الحرب يحمل في طياته رسائل سياسية واضحة. فهو من جهة يعكس قلق المجتمع الدولي من اتساع رقعة الصراع، ومن جهة أخرى يمثل محاولة للضغط على الأطراف المتصارعة للانتقال من منطق القوة العسكرية إلى مسار التسوية السياسية. لكن السؤال الأهم يبقى: كيف سيكون صدى هذا القرار في طهران؟ وكيف ستتأثر به الدول العربية التي عانت من تداعيات الصراع؟
بالنسبة لإيران، يشكل القرار اختباراً سياسياً ودبلوماسياً مهماً. فطهران التي بنت خلال العقود الماضية نفوذاً واسعاً في عدد من ملفات المنطقة، تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية مؤثرة. ولذلك فإن أي قرار دولي يهدف إلى كبح التصعيد المرتبط بنفوذها قد يُنظر إليه في الداخل الإيراني على أنه محاولة لإعادة رسم حدود الدور الإقليمي الذي تسعى إليه.
غير أن الواقع الدولي اليوم يفرض معادلات أكثر تعقيداً. فاستمرار التوترات لا يضر فقط باستقرار المنطقة، بل يضع إيران أيضاً تحت ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة. ولهذا قد تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام خيارين: إما التكيف مع الضغوط الدولية والبحث عن مسارات دبلوماسية جديدة، أو محاولة الحفاظ على نفوذها الإقليمي بوسائل أكثر حذراً.
أما بالنسبة للدول العربية التي تأثرت بالصراعات المرتبطة بالتوتر مع إيران، فإن القرار يمثل نافذة أمل لخفض حدة التوترات الأمنية التي استنزفت المنطقة لسنوات. فاستمرار الصراعات المسلحة لم يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل أدى إلى أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة، وأضعف فرص التنمية والاستقرار في العديد من الدول.
ومن هنا فإن وقف التصعيد يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تركز على إعادة بناء الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. غير أن هذا الأمل يبقى مرهوناً بمدى التزام جميع الأطراف بروح القرار وليس فقط بنصوصه.
لكن الحقيقة التي يدركها المراقبون هي أن قرارات مجلس الأمن، مهما كانت قوية في صياغتها، لا تتحول إلى واقع فعلي إلا إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية. فالمنطقة عرفت في الماضي العديد من القرارات الدولية التي بقيت حبيسة النصوص بسبب تعقيدات المصالح والصراعات الجيوسياسية.
إن القرار الأخير يعكس أيضاً حقيقة أوسع، وهي أن الشرق الأوسط أصبح ساحة لتداخل المصالح الدولية والإقليمية. ولذلك فإن أي محاولة لوقف الصراعات فيه لا يمكن أن تنجح ما لم ترافقها رؤية شاملة تعالج جذور الأزمات السياسية والأمنية التي تعاني منها المنطقة.
في نهاية المطاف، قد لا يكون هذا القرار نهاية للصراع، لكنه بلا شك يمثل لحظة مهمة في مسار إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. فالمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة استراتيجية تفتح الباب للحوار والتسويات السياسية، أم أن الصراعات ستعود بأشكال جديدة تحت ضغط التنافس على النفوذ والمصالح.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ستجيب عنه الأيام القادمة:
هل يشكل قرار مجلس الأمن بداية مرحلة جديدة من التهدئة في الشرق الأوسط، أم أنه مجرد محطة مؤقتة في صراع طويل لم تُحسم معادلاته بعد؟.