شرحبيل أحمد .. ملك الجاز

شرحبيل أحمد .. ملك الجاز

بقلم: أمير أحمد حمد

تسرب إليه بريق الفن من والده الذي كان يمتلك في منزله فونغراف لتشغيل الأسطوانات المختلفة في منزله، فأذكت جذوة الفن، وصار مولعًا به، فكانت أسطوانات تحتوي على أغانٍ شرقية وأغنيات الحقيبة التي عشقها حتى الثمالة، ولكن كان صوته محدودًا لا يستطيع أداءها كأهلها، لأنها كانت تعتمد في أدائها إلى قوة الصوت، وهو لا يمتلك ذات الصوت الذي يمكنه من أدائها، ولكنه يتمتع بصوت أقل ما يقال عنه إنه صوت طروب تألفه الأذن وتستمتع به عند سماعه.
كان شرحبيل أحمد مفتونًا منذ صباه بالأغاني الشرقية، فقد كان للأفلام المصرية دور في حبه وعشقه لتلك الأغاني، إلى جانب ذلك كان يحفظ كل الأغاني الواردة بالأفلام المصرية عن ظهر قلب، كذلك الأفلام الهندية والإنجليزية.
شاءت الأقدار أن يُنقل والده إلى مدينة الأبيض، وفي مدينة الأبيض التحق شرحبيل أحمد بمدرسة البعثة المصرية وهي مدرسة النهضة، فدرس فيها المرحلة الإعدادية على المنهج المصري، وبها تفجرت موهبته الغنائية وازداد ارتباطه أكثر بالأغاني الشرقية المصرية، وقد كان أحد المعلمين المصريين راعيًا موهبته وأوكل إليه تقديم نشيد المدرسة حينما انتقلت من مكان إلى مكان، فكانت نقلة كبيرة في حياته وأكدت موهبته في الغناء، وغنى هذا على الطريقة الشرقية التي تأثر بها، ولكنه لم ينس ما سمعه من أسطوانات من فناني الحقيبة بالسلم الخماسي، وقد ظهر ذلك في أغنياته مستقبلًا، فموسيقاه كانت خالية من التعقيد الموسيقي والتطويل، وهذا نتاج طبيعي لتأثره بأغاني حقيبة الفن التي تميل في طبيعة أدائها إلى ذلك.
كان شرحبيل يعشق أغنيات الحقيبة للدرجة التي نظم فيها شعرًا على منوال ونهج حقيبة الفن، ومن أمثلة ذلك الشعر:

ساهر ليلي أحلم بيكا
بين النجوم أسأل قلبي الحزين طاريكا
المحبوب حكايتو حليلا
وين ألقى البديع رسمو
أسمر عيونو كحيلة
يا القمري البديع ظاهر
حن علينا وميل
دايرين نشوفك ليلة

حاول أن يغني في برنامج ركن الأصوات بالإذاعة السودانية الذي كان يقدمه الإعلامي اللامع محمد صالح فهمي، ولكنه لم يوفق في ذلك لأن طبيعة البرنامج أن لا يغني فنان أغنية فنان آخر.
وباءت محاولاته في الغناء بالفشل كمغنٍ، ولكن في منتصف خمسينات القرن الماضي التحق بفرقة الإذاعة عازفًا الكمان.
وبعدها ترك الفرقة واتجه إلى تكوين فرقة موسيقية خاصة به لاقتناعه بموهبته، وخاصة لونية ألحانه الخاصة التي تحتاج إلى موسيقى خاصة.
لم ييأس من الإذاعة وتقدم مرة أخرى إلى برنامج ركن الأصوات بأغنيته الخاصة وهي أغنية الحب عرفتو حيرني:

يا ريت لا شفتو ولا كلمني
من شوقي إليهو بسأل عليهو
ازداد في تيهو حيرني

وحقيقة هذه الأغنية ليست أول أغانيه، بل أول أغانيه أغنية ليالي كردفان التي كتبها له زميله في دار النشر التربوي رضا محمد عثمان، وتقول بعض كلماتها:

يا ليالينا على الرمل النضر وملاهينا
في عروس الرمل حسناء الصحاري
روضة العشاق جنات العذاري
والشباب الحر كم هب وثارا
في رباها بانيًا صرح الحضارة

وهكذا أغنيات شرحبيل الوترية، وبعدها انتقل إلى الغناء بلونية أخرى عرفت بغناء الجاز الذي صار ملكًا فيه، هكذا لُقّب بملك الجاز وأصبح من رواده، رغم أن سبقه في هذه اللونية الغنائية الفنان محمد إسماعيل بادي.
وأول أغنية تغنى بها شرحبيل عن طريق لونيته الجديدة (الجاز) أغنية حلوة العينين من تأليف الإذاعي ذو النون بشرى، وذلك في عام ١٩٥٩.
ويأتي في مقدمة الشعراء الذين غنى لهم شرحبيل والذي شكل معه ثنائية كبيرة الشاعر بشير محسن، حيث له أكثر من ١٨ أغنية، منها دموع الحرمان وأيام وسنين والحب عرفتو وأنت يا حلوة وخطوة خطوة ومناي أشوفك تاني وحرمت أحبك تاني ومين في الأحبة وسهاد ويا دنيا وإحنا والهوى.
وغنى للشاعر رضا محمد عثمان أغنية ليالي كردفان والغرام غنوة وأنت يا جميل، كما غنى من كلمات الشاعر عوض أحمد خليفة أغنية ليالي الشوق تحرمني ولما القمر، وغنى للشاعر محمد أحمد سوركتي أغنيتي بتقول مشتاق وعشنا وشفنا.
وغنى من كلمات الشاعر سعد قسم الله أغنية حبيب العمر وقلبي دق وحرام يا قلبي، وغنى للإعلامي ذو النون بشرى أغنيتي حلوة العينين ومالك يا سالي.
كما غنى شرحبيل من كلماته عددًا من الأغنيات منها الليل الهادي وقمر ضوى والليل والحب والرقص جميل وعهد وارقص وفرفش، وغنى لزوجته زكية سيد أحمد أغنية تعال يا ليل، والشاعر قاسم سيد أحمد أغنية ستار يا ليل، والشاعر الوليد إبراهيم أغنية البهجة في عينيك، كما غنى للدكتور حسن عباس صبحي نشيد قدم الخير.
وغنى للشاعرة حكمت محمد يس ظلم الدنيا، والشاعر السر محمد عوض أغنية أول مرة، وغنى للشاعر محمد آدم أبو آمنة أغنية لو تعرف الشوق.