ما بينهما .. معاوية نور والتجاني يوسف بشير

ما بينهما .. معاوية نور والتجاني يوسف بشير

بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ

من أقدار المبدعين السودانيين الأوائل اتساع الهوة المعرفية بينهم ومجتمعهم، بل ضعف بنية المجتمع السوداني الثقافية، تلك البنية التي تجعل الاهتمام بالآداب والمبدعين حافزا وباعثا لهم للعيش في إنتاج متكاثر دون معوقات.
تحتشد الذاكرة الثقافية السودانية بأمثال ونماذج من مبدعين ضاعوا وسط الزحام.
اثنان منهما شع شهابهما في زمان تكاثرت فيه الجهالات المعرفية والخرافات الشعبية تحت وطأة حكم استعماري وطد للجهل وسط جموع أهل السودان.
فالتعليم كان قاصرا على رقم محدد تحدده الإدارة الاستعمارية، فالكلية العليا الوحيدة كانت مدرسة ثانوية فقط تقوم بتخريج ما يلزم من وظائف محددة للعمل بالدولة. فالتجاني ولد في العام 1912 وتوفي في يوليو من العام 1937 عن 26 عاما كانت إبهارا من إنتاج أدبي خالد. ففي عمر الثامنة عشرة عاما فصل من المعهد العلمي بأم درمان بوشاية هدفت لجعله بعيدا عن عالم النبوغ الذي أظهره كتابة للشعر ومجادلة متماسكة البراهين لقضايا شغلته فقها دينيا وأسئلة كانت بمثابة الغوص في مسلمات دينية جعلت جهلاء المعهد العلمي من شيوخه وأساتذته يضيقون به لانكشاف قصورهم المعرفي وتتبعهم لحالة عدم الغوص معرفيا مثله ذلك الطالب الذي لم يتجاوز عمره ال18 عاما.
كان التجاني من هدايا السماء لأهل السودان فكتب شعرا خالدا ما زال إرثا لا يبيد، ونثرا به من جزالة العبارة ورصانتها وعلو فكرتها ما جعله أحد الناثرين العظماء في تاريخ الأدب السوداني.
داخل مجتمعه كان الفقر ينهش دون رحمة، والوظائف على قلتها تقوم الإدارة الاستعمارية بتوزيعها بالقطعة. ففي وضع كهذا نحت التجاني في صخر الصعاب ليكتب ويعمل حتى أصابه السل، ورغم علته ظل يكتب ويكتب حتى رحل عن الوجود كاتبا اسمه كأحد أساطير الأدب السوداني.
في نموذج معاوية نور المولود في العام 1909 والمتوفى في أكتوبر من العام 1941 والراحل عن عمر 31 عاما نموذجا آخر لما ذهبنا إليه من سياسات خرقاء ومجتمع كان يرزح تحت خرافات وأباطيل موروثة، وهي أقرب للتخلف الذي لا تخلف بعده.
ففي نموذجه تبرز حالة العلاج البلدي بادعاء وجود جن تلبسه، فكان العلاج عند أحد الجهلاء بالضرب بالسوط حتى يتم إخراج الجن منه، فتأمل حياة أهل السودان حينها.
كتب معاوية نور دراسات نقدية عن كبار الأدباء الفرنسيين والبريطانيين وعمره لم يتجاوز الثانية والعشرين، وأين؟ في مجلة الرسالة التي كانت منارة أدبية في عالمنا العربي.
الاثنان من ضحايا مجتمع عانى الفقر والاضطهاد بفعل إدارة استعمارية كان همها تخريج موظفين ديوانيين بدواوين الدولة، وفي نموذجهما تبرز حالة الخوف من المثقف وتكريس سياسة اضطهاده، وهي سياسة ظلت متصلة حتى في العهود الوطنية ما بعد الاستقلال.
لنا أن نفترض خيالات وحلما: ماذا لو كان الاثنان في دولة أخرى؟ حتما ستكون الإجابة صادمة لنا، فالأقل ثقافة وإنتاجا كمثيل لهما في دول أخرى أصبحوا من أعلام تلك الدول، بل تنظم لهم الاحتفالات السنوية تخليدا لهم.
الاثنان ما زال البحث عنهما وحياتهما متصلا للمقارنة ما بين الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشا فيها وإنتاجهما الأدبي.