
محجوب أبوالقاسم يكتب: إقالة قبل البداية
*محجوب أبوالقاسم*
*يكتب*
*إقالة قبل البداية*
التغيير سنة الحياة والتجديد في المواقع التنفيذية ضرورة لا يمكن إنكارها فالمناصب العامة بطبيعتها تحتاج إلى دماء جديدة وأفكار متجددة حتى تظل قادرة على مواكبة التحديات والاستجابة لمتطلبات المرحلة. فالمؤسسات التي لا تتجدد تصاب بالجمود ومن لا يتغير يتبدد مع الزمن.
هذه الحقيقة تبدو حاضرة عند قراءة التعديلات المحدودة التي أجراها رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس على تشكيل مجلس الوزراء وهي تعديلات أطاحت بعدد من الأسماء على رأسها الوزير الدكتورة لمياء عبدالغفار الوزير الاول التي لم تكمل تسعة أشهر في منصبها إلى جانب إعفاء بعض المستشارين من بينهم المستشار الصحفي الأستاذ محمد عبدالقادر والمستشار الجعيفري وهي خطوة مهما اختلفت التقديرات حولها تستوجب في الحد الأدنى توجيه الشكر لهم على ما قدموه خلال فترة تكليفهم سائلين الله أن يتقبل منهم ما بذلوه من جهد في خدمة البلاد.
غير أن ما أثار دهشة الوسط الصحفي على وجه الخصوص لم يكن التغيير في حد ذاته بل الطريقة التي انتهت بها مهمة الزميل أبو حباب الذي كان تعيينه مستشار صحفي لرئيس الوزراء والذي استبشر الوسط الصحفي بتعينه ووجد ترحيب واسع وغير مسبوق داخل الأسرة الصحفية.
وللمرة الأولى منذ سنوات بدا أن الوسط الصحفي يكاد يجمع على شخصية واحدة مرحبا بتكليفها في موقع حساس كهذا فقد رأى كثيرون في أبو حباب صحفيا مهنيا يتمتع بعلاقات واسعة وممتدة داخل الوسط الإعلامي وقادرا على بناء جسور تواصل فاعلة بين مكتب رئيس الوزراء والصحافة الوطنية.
لكن الصدمة كانت كبيرة عندما جاء خبر إعفائه سريعا قبل أن يبدأ فعليا ممارسة مهامه من داخل الخرطوم فالرجل كما أعلن بنفسه كان لا يزال في القاهرة لظروف خاصة على أن يعود بعد عطلة العيد مباشرة لتسلم مهامه غير أن القرار جاء مبكرا ليغلق الباب قبل أن يفتح،ولا أحد حتى الآن يعلم الملابسات الكاملة لهذا القرار ولا الدوافع التي قادت إليه لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن من الطبيعي في مثل هذه المواقع أن تمنح الفرصة الكافية لتقييم الأداء لا أن ينتهي التكليف قبل أن يبدأ العمل فعليا.
فالزميل أبو حباب بما يمتلكه من علاقات مهنية واسعة وخبرة صحفية ممتدة كان يمكن أن يلعب دورا مهما في تحسين العلاقة بين مكتب رئيس الوزراء والوسط الإعلامي وهي علاقة ظلت في كثير من الأحيان تعاني من فجوة في التواصل وسوء في إدارة الرسائل الإعلامية.
الحكومة تدرك أن الإعلام ليس خصما بل شريكا في إدارة الرأى العام وأن وجود مستشار صحفي يفهم طبيعة العمل الصحفي ويعرف لغة الصحفيين يمكن أن يشكل قيمة مضافة حقيقية لأي مؤسسة تنفيذية خاصة في ظروف معقدة كالتي تمر بها البلاد.
ولهذا تبدو المفارقة واضحة فبينما تحتاج حكومة الأمل إلى إعادة ضبط البوصلة في عدد من الحقائب والملفات ذات الأولوية جاء قرار إعفاء مستشار لم يبدأ عمله بعد في وقت كان كثيرون ينتظرون أن تراجع ملفات أكثر إلحاحا وتأثيرا في الأداء الحكومي.
ومع ذلك تبقى الحياة المهنية مليئة بالتحولات وربما تكون هذه المحطة القصيرة مجرد فصل عابر في مسيرة الزميل أبو حباب الذي ظل اسمه حاضرا في المشهد الصحفي بفضل قلمه وتجربته وعلاقاته الواسعة ولعل المفارقة الجميلة هنا أن الحكومة ربما تكون قد خسرته مستشارا لكن الصحافة كسبته مجددا في موقعه الطبيعي الذي يعرفه ويجيده فقد عاد إلى منبره الذي تعود القراء على متابعته فيه وإلى زاويته التي ظلت تجد صداها بين القراء”على كل”.
أخي وصديقي أبو حباب قد تكون الحكومة فقدت صوتا كان يمكن أن يمثلها خير تمثيل لكن الصحافة استعادت واحدا من أبنائها.
واصل مشوارك الذي تحبه وأكمل طريقك في المهنة التي صنعت اسمك فالقلم الذي اعتاد أن يكتب للناس لا يمكن أن يتوقف عند محطة عابرة.
ولنا عودة
15 مارس 2026م