
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (13) .. مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (13)
مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان
فدائي وصحابي وشاعر
بعد أحداث غزوة أحد وما حصل فيها، من ابتلاء وهزيمة للمسلمين، انتشر بين الأعداء الشعور بالفخر، وحصلت لديهم الرغبة في الكيد بالمسلمين والقضاء عليهم، بل اتجهت أنظار المشركين من الأعراب إلى محاولة غزو المدينة، مناصرة لقريش، ودفاعا عن عقائدهم الفاسدة، وطمعا في خيرات المدينة. ومن ذلك قيام خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي بجمع الحشود من هذيل وغيرها بعُرَنة (وادي بعرفات)، لغزو المسلمين في المدينة، فأرسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصحابي عبد الله بن أنيس الجهني إليه، وكلفه بمهمة قتله.
قال عبد الله بن أنيس: ( دعاني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إنه قد بلغني أن ابن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله، قلت: يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه، قال: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان، وآية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة . قال: فخرجت متوشحاً سيفي حتى دفعت إليه وهو في ظُعُن (نساء) يرتاد (يطلب) لهن منزلا، وحيث كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما قال لي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من القشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن تكون بيني وبينه مجاولة (مطاردة) تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك، قال: أجل إني لفي ذلك . قال: فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكنني حملت عليه بالسيف فقتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه (نساءه) منكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرآني قال: أفلح الوجه، قلت: قد قتلته يا رسول الله، قال: صدقت . ثم قام بي فأدخلني بيته فأعطاني عصاً فقال: أمسك هذه العصا عندك يا عبد الله بن أنيس ، قال: فخرجت بها على الناس فقالوا: ما هذه العصا؟، قلت: أعطانيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمرني أن أمسكها عندي، قالوا: أفلا ترجع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتسأله لم ذلك؟، قال: فرجعت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟، قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المتخصرون يومئذ. قال: فقرنها عبد الله بن أنيس بسيفه، فلم تزل معه حتى مات، ثم أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا).
قال ابن هشام : وقال عبد الله بن أنيس في قتله لخالد الهذلي أبيات من الشعر، منها:
وقلت له خذها بضربة ماجد
حنيف على دين النبي محمد
وكنت إذا هم النبي بكافر
سبقت إليه باللسان وباليد
حاشية:
المتخصرون: هم الذين يصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصِرهم، وقيل: من لهم أعمال صالحة يتكئون عليها يوم القيامة كما يتكئ الإنسان على عصاه.
ليت مقاس هذا الحذاء كان أكبر
قِيلَ إِنَّ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ قَدِمَ مِصْرَ، فَأَتَى يَزِيدَ السُّلَمِيَّ فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ فَشُغِلَ عَنْهُ لِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَرَانِي وَلَا كُفْرَانَ لِلَّهِ رَاجِعًا
بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ مِنْ نَوَالِ ابْنِ حَاتِمِ
فَلَمَّا فَرَغَ يَزِيدُ بن حاتم مِنْ ضَرُورَتِهِ سَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ يُنْشِدُ هَذَا الْبَيْت.
فَأَرْسَلَ مَنْ يَجِدُّ فِي طَلَبِهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَأَنْشَدَ الْبَيْتَ
فَقَالَ يَزِيدُ: شَغَلْنَا عَنْكَ وَعَجِلْتَ عَلَيْنَا. ثُمَّ أَمَرَ بِخُفَّيْهِ فَخُلِعَا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَمُلِئَا مَالًا، وَقَالَ: ارْجِعْ بِهِمَا بَدَلًا مِنْ خُفَّيْ حُنَيْنٍ.
ولهذا كان ثمنها الجنة مع العمل الصالح
عَنْ أَنسٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله عز وجل قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبرعوضته منهما الجنة يريد عينيه) رواه البخاري
قال الشاعر:
إن يأخذ الله من عيني نورهما
ففي لساني وسمعي منهما نور
فهمي ذكي وقلبي غير ذي غفل
وفي فمي صارم كالسيف مشهور
وقال آخر:
عزاءك أيها العين السكوب
وحقك إنها نوب تنوب
وكنت كريمتي وسراج وجهي
وكانت لي بك الدنيا تطيب
على الدنيا السلام فما لشيخ
ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يعدّ حيا
ويخلف ظنه الأمل الكذوب
فجر الكلمات
أوحى الله إلى داؤود عليه الصلاة والسلام: يا داؤود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي، يا داود هذه إرادتي في المدبرين عني فكيف إرادتي بالمقبلين علي!
ولقد أحسن من قال:
أسيء فيجزي بالإساءة إفضالا
وأعصي فيوليني برّا وإمهالا
فحتى متى أجفوه وهو يبرني
وأبعد عنه وهو يبذل إيصالا
وكم مرة قد زغت عن نهج طاعة
ولا حال عن ستر القبيح ولا زالا
جالينوس الطبيب المؤمن
قيل لجالينوس حين نهكته العلة: أما تتعالج؟ فقال:إذا كان الداء من السماء بطل الدواء من الأرض، وإذا نزل قضاء الرب بطل حذر المربوب.
خنساء الاولى وتماضر الثانية
سئل الأصمعي عن قول الخنساء في نعيها صخر حين مات ونعته فقالت:
يذكرني طلوع الشمس صخرا
وأندبه لكلّ غروب شمس
فقالوا له: لماذا أنها خصت الشمس دون القمر والكواكب فقال: لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات وعند غروبها يجلس مع الضيفان، فذكرته بهذا مدحا لأنه كان يغير على أعدائه ويتقيد بضيفه، وقد رثته بعد البيت الأول بأبيات منها:
ألا يا نفس لا تنسيه حتى
أفارق عيشتي وأزور رمسي
ولولا كثرة الباكين حولي
على أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
أسلّي النفس عنه بالتأسّي
حاشية:
إنها ذات الخنساء التي فقد أربعة من أبنائها شهداء ولم ترثي ولم تبك، فعندما سئلت عن ذلك لماذا رثت صخرا وامسكت عن بنيها؟ قالت : والله لو أن صخراً في الذي مات فيه أبناءني لما رثيته وقرأت الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
التأسي بالمصطفى مجلبة للصبر الجميل
قال أبو العتاهية:
اِصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ
وَاِعلَم بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
أَوَما تَرى أَنَّ المَصائِبَ جَمَّةٌ
وَتَرى المَنِيَّةَ لِلعِبادِ بِمَرصَدِ
مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ
هَذا سَبيلٌ لَستَ فيهِ بِأَوحَدِ
وَإِذا ذَكَرتَ مُحَمَّداً وَمَصابَهُ
فَاِذكُر مُصابَكَ بِالنَبِيِّ مُحَمَّدِ