د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: من يحكم السودان .. الدولة أم البنادق؟

مسارات

د. نجلاء حسين المكابرابي

من يحكم السودان .. الدولة أم البنادق؟

في كل لحظة أزمة كبرى تعود الأسئلة الجوهرية إلى الواجهة، وفي السودان اليوم يبرز سؤال لا يمكن الهروب منه: من يحكم السودان حقاً؟ الدولة أم البنادق؟
فالتجربة السودانية خلال العقود الماضية كشفت بوضوح أن أزمة البلاد لم تكن سياسية فقط، بل كانت في جوهرها أزمة سلطة على السلاح. فمن يملك البندقية يملك القدرة على فرض الأمر الواقع، ومن يحتكر القوة يمتلك في النهاية مفاتيح القرار.
ولهذا فإن قرار عضو مجلس السيادة الفريق أول ياسر العطا بدمج القوات المساندة داخل منظومة القوات المسلحة السودانية لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري محدود، بل هو في حقيقته محاولة لإعادة تعريف من يملك القوة في السودان.
السودان وأزمة تعدد البنادق
منذ سنوات طويلة عاش السودان واقعاً أمنياً استثنائياً، حيث نشأت تشكيلات مسلحة متعددة خارج الإطار التقليدي للمؤسسة العسكرية. بعضها جاء نتيجة الحروب الداخلية، وبعضها نشأ بفعل الحسابات السياسية، وبعضها ولد من رحم الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة.
ومع مرور الزمن تحول هذا الواقع إلى معادلة خطيرة: الدولة لم تعد وحدها صاحبة القرار العسكري.
هذه المعادلة جعلت السودان يقف دائماً على حافة الانفجار، لأن تعدد البنادق يعني تعدد مراكز القرار، وتعدد مراكز القرار يعني صراعاً دائماً على النفوذ والسلطة.
الحرب كشفت الحقيقة
الحرب التي شهدها السودان مؤخراً لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختباراً قاسياً لفكرة الدولة نفسها. فقد أثبتت الأحداث أن الدول التي تفقد احتكارها للسلاح تصبح أكثر هشاشة وأقل قدرة على حماية نفسها.
ولهذا فإن أي حديث عن بناء دولة مستقرة في السودان لا يمكن أن يتجاوز هذه الحقيقة الأساسية: لا دولة بلا جيش واحد.
قرار العطا… خطوة في معركة أكبر
قرار دمج القوات المساندة داخل القوات المسلحة يمثل خطوة مهمة في اتجاه إعادة ترتيب القوة العسكرية داخل الدولة. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام معركة سياسية عميقة، لأن توحيد السلاح يعني بالضرورة تقليص نفوذ قوى اعتادت العمل خارج الانضباط المؤسسي.
ولهذا فإن تنفيذ هذا القرار لن يكون مجرد إجراء إداري، بل اختبار حقيقي لإرادة الدولة في استعادة سلطتها على السلاح.
بين الدولة والفوضى
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق واضح:
إما دولة تحتكر القوة وتديرها عبر مؤسساتها، وإما واقع تستمر فيه البنادق المتعددة في تشكيل موازين القوة السياسية.
والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تتسامح مع تعدد الجيوش داخل حدودها تدفع في النهاية ثمناً باهظاً من الاستقرار والسيادة.
السؤال الذي لا يمكن تأجيله
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل سيتحدد بالإجابة عن السؤال الأكبر: هل تستطيع الدولة استعادة احتكارها للسلاح؟
فإذا نجح مشروع توحيد القوة العسكرية داخل القوات المسلحة السودانية فقد يفتح السودان صفحة جديدة في تاريخه السياسي، صفحة تقوم على مؤسسات قوية وجيش وطني موحد.
أما إذا استمرت معادلة البنادق المتعددة، فإن الأزمات ستبقى تتكرر مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت التحالفات.
الخلاصة
قرار الفريق أول ياسر العطا ليس مجرد قرار عسكري، بل هو جزء من معركة أعمق تدور حول طبيعة الدولة السودانية نفسها. إنها معركة بين فكرة الدولة وفكرة القوة المنفلتة. وفي النهاية سيحكم السودان أحد خيارين فقط: الدولة… أو البنادق.