
موسى قسم السيد (جحا) .. الرسام الأشهر
موسى قسم السيد (جحا) .. الرسام الأشهر
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
حفل تاريخ الفنون السودانية بفنانون كانوا عنوانًا للعبقرية والتميز كل في مجاله، وداخل الفن التشكيلي يظل موسى قسم السيد (جحا) واحدًا من أشهر الرسامين السودانيين بإنتاجه وموهبته الفذة.
ومن عجب فقد كان أحد الشخصيات المنسية في تاريخنا، حتى قيض الله لكل السودان التشكيلي المبدع الراحل علاء الدين الجزولي، فقام بالتعريف به وثائقياً في أربعة حوارات نادرة كانت حصيلتها مادة صحافية وثائقية ضخمة بمقدار ثماني صفحات بصحيفة الصحافة وعددها الأسبوعي المتميز، وهي المادة الوثائقية التي اعتمدت عليها كليًا في هذا المقال.
ولد في العام 1931م بأم درمان لأسرة تنتمي لقبيلة الجبلاب وتعمل بحرفة النساج، ومعروفة بولائها الشديد لطائفة أنصار المهدي.
التحق – في الخامسة من عمره – 1936م بخلوة مسجد السيد عبد الرحمن المهدي بودنوباوي وتركها بلا رجعة، بعد أن قضى فيها ستة أشهر فقط، بسبب حادثة وقعت قريبًا من مكان الخلوة وراح ضحيتها أحد المواطنين.
في الحادية عشرة من عمره، 1942م، التحق بمدرسة أم درمان الأهلية، وبعد شهرين من التحاقه بها أخرجه أبوه منها بدعوى أن المدارس تفسد العيال، وكان ذلك بإيعاز من بعض الأهل والمعارف، وفي هذه السنة بدأ أولى محاولاته في الرسم، وكان يذهب وهو في هذه السن إلى جبال المرخيات غرب أم درمان لإحضار حجارة المغر التي كان يستخدمها في الرسم والتلوين.
بدأ تعلقه الشديد بالسينما، وكان لا يغيب يومًا عن مشاهدة عروض أفلامها، وفي هذه السنة – وهو في الرابعة عشرة من عمره 1945م – بدأ يبيع رسومات (البنات السمحات) التي صار دخله منها أفضل مما يجنيه من عمله بالنساج، الذي تركه نهائيًا في هذه السنة وبدأ احترافه المبكر.
في السادسة عشرة من عمره، 1947م، قام بزيارته الأولى لمصر بغرض السياحة والترفيه، وأثناءها شارك في ورشة عمل مع ثلاثة عشر رسامًا مصريًا، حيث أعد فيها رسم بورتريه المطربة (أسمهان)، وانتهت الورشة بإجراء مسابقة لأفضل رسم، نال فيها جحا المرتبة الأولى، ولكن تم تزوير النتيجة عند إعلانها بالصحف ليصبح جحا في المرتبة الثالثة، وأحتج على ذلك صديقيه الممثلان المسرحيان السودانيان، أحمد عاطف وإسماعيل خورشيد، فأعيد نشر الخبر بالنتيجة الحقيقية.
في السابعة عشرة من عمره، 1948م، انفصل جحا عن السكن مع أهله بحي الهجرة بأم درمان، بسبب عدم وجود مكان في البيت يسمح له بمزاولة الرسم، وانتقل إلى بيت آخر بجوار منزل خاله عبد الله المليح بودنوباوي، حيث أسس مرسمه الشهير، وأنجز أولى رسومات الشخصيات (الإمام المهدي، الرئيس الأزهري) وأولى رسومات (البنات السمحات)، وبطلب من شركة حلويات كريكاب التي طبعت منها على صناديق الحلوى بورتريه (تاجوج) الشهير. وهذه السنة يعتبرها جحا البداية الحقيقية لتجربته الفنية.
في الثامنة عشرة من عمره، 1949م، بدأ رسم اللوحات الكبيرة للقهاوي، التي لعبت دورًا كبيرًا في ترويج أعماله التي كانت تعلق على جدرانها، وكان أصحابها يقومون بتسويق اللوحات وبيعها للناس وبعض الشركات.
في العام 1956م، قام برسم صورة الملك عبد العزيز وتقاضى عليها مبلغًا كبيرًا من المال مكنه من تطوير احترافيته للرسم عن طريق شراء أدوات خاصة بالرسم، وتعتبر هذه الأدوات طفرة في عالم الرسم آنذاك بالسودان مثل الحوامل الخشبية والحديدية وألوان الرسم المختلفة من الرصاص والزيت والماء، وهي التي جلبها معه من مصر.
في السابعة والعشرين من عمره، 1958م، كانت زيارته الأولى للندن بترتيب من قطب حزب الأمة السيد أمين التوم، للمشاركة في فيلم الخرطوم الذي أخرجه بازل ديردن (Basil Dearden)، ومثل فيه دور الإمام المهدي الممثل لورانس أوليفييه (Laurance Olivier)، وكان دور جحا في هذا الفيلم هو تصميم زي الإمام المهدي والإشراف على تفصيله وخياطته، ومساعدة الممثل لورانس أوليفييه على ارتدائه بطريقة الإمام المهدي، كما قام بدور كومبارس في هذا الفيلم، وأنفق كل ماله في شراء مستلزمات الرسم.
في الثامنة والعشرين من عمره، 1959م، كانت زيارة جحا الثانية لمصر، حيث تعاقد مع شركة الشبراويشي المصرية للعطور لتنفيذ رسم بورتريه السيد علي الميرغني (زعيم طائفة الختمية في السودان)، ثم رسم بنت السودان التي – وبخلاف رسوماته السابقة – أعدها في هيئة الشكل الكامل لجسم الإنسان. كما أقام في هذا العام معرضه الثنائي مع الفنانة المصرية تحية توفيق، وفى هذه الفترة عمل (جحا) كرسام أفيشات باستوديوهات السينما المصرية، وتعرف على أم كلثوم وفريد الأطرش، واستضافه كل منهما في بيته، حيث رسم لأم كلثوم صورتها ولـ فريد الأطرش صورة أخته أسمهان التي سبق أن رسمها عام 1947م في الورشة المذكورة أعلاه، وفاز بالجائزة الأولى لمسابقتها.
في الثانية والثلاثين من عمره، 1963م، عمل لمدة شهرين كمصور بالتلفزيون السوداني وصوّر خلالهما مؤتمر القمة الأفريقي الذي انعقد بأديس أبابا وشارك فيه السودان برئاسة الفريق إبراهيم عبود، رئيس حكومة السودان آنذاك.
تم زواجه من قريبته (الخياطة) دار السلام بنت المادح الشهير حاج الماحي، 1969م، بعد أن كان أعلن عزوفه عن الزواج نهائيًا والاستمرار في العزوبية بسبب فشل محاولاته – ولأربع مرات – للإقتران بأي واحدة من بنات أعمامه اللاتي رفضتهن أمهاتهن لزعمهن بأنه (مشوطن!) أي تلبسته الشياطين، وبهذا الزواج الذي حقق به جحا أمنيته الأولى في الحياة وأنجب 8 أطفال، 6 بنات وهن (هدية، هنادي، هالة، هادية، هبة وهدى)، وولد اسمه (محمود) و(آخر) توفى إلى رحمة مولاه.
1967م، في السادسة والثلاثين من عمره، كانت زيارته الأولى للهند بدعوة من صديقه المغني والممثل السينمائي والرسام (مهندرا شيريس)، الذي أقام معه معرضًا ثنائيًا ناجحًا بمدينة نيودلهي، استمر عرضه لمدة خمسة وأربعين يومًا وشارك فيه جحا بأربعة وخمسين عملاً تم بيعها جميعًا، بينما شارك صديقه مهندرا بخمسة وخمسين عملاً.
عاد من الهند ثريًا، وتمكن من شراء منزله بضاحية أم بدة.
في الثامنة والأربعين من عمره، 1979م، تحققت الأمنية الثانية لجحا في الحياة بامتلاكه بيتًا له ولأسرته الصغيرة، قام ببنائه بمدينة أم بدة غرب مدينة أم درمان بمعاونة صديقه فيليب غاردون وبعض أصدقائه من السودانيين والخواجات، وعاش فيه مع أسرته منذ تاريخه وإلى يوم وفاته.
في الواحدة والخمسين من عمره، 1982م، كانت زيارته الثانية للهند بصحبة حاوي وساحر هندي جاء إلى السودان لتقديم بعض العروض، وفي هذه الفترة زاد جحا من حصيلة معارفه في (السحر) و(الحوى) وفي معرفة النباتات والبساتين والغابات.
في الثانية والخمسين من عمره، 1983م، أقام معرضه الثنائي الأول بالخرطوم مع الفنانة الإنجليزية (بيجي داوني).
كانت زيارته الثانية للندن (في الثالثة والخمسين من عمره)، 1984م، بدعوة من صديقه (فيليب غاردون)، الذي استضافه لمدة شهر، أنجز خلاله جحا رسم صور كل شيوخ الطرق الصوفية المعروفين في السودان، ورسم خياليًا لامرأة سودانية مشلخة، بالإضافة إلى حوالي ثلاث رسومات لشخصيات إنجليزية، أعدها جحا بطلب من فيليب، وفي هذه الفترة أقام مع (بيجي داوني) معرضهما الثنائي الثاني.
من غرائب حياته أنه لا ينام بالليل بل بالنهار فقط، وذلك لانعدام المياه بالمنطقة التي يسكن بها، فكان يقوم بالسهر حتى يوفر المياه لأهل بيته وينام نهارًا.
في العام 2006 رحل أشهر الرسامين الموهوبين دون دراسة وعلم، كاتبًا اسمه في سجل العبقرية السودانية.