
د. نجلاء حسين المكابرابي تكتب: السودان بين الفوضى الخلّاقة وصراع المصالح: من يدير المشهد؟
مسارات
د. نجلاء حسين المكابرابي
السودان بين الفوضى الخلّاقة وصراع المصالح: من يدير المشهد؟
لم تعد الأحداث المتسارعة في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة أو تنافس بين قوى سياسية وعسكرية، بل أصبحت في نظر كثير من المراقبين جزءًا من مشهدٍ أوسع يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي والدولي. وفي هذا السياق يبرز مفهوم الفوضى الخلّاقة بوصفه أحد المفاتيح التفسيرية لما يجري في البلاد منذ سنوات، خاصة بعد اندلاع الحرب الأخيرة.
الفوضى الخلّاقة، كمفهوم سياسي، تقوم على فكرة إحداث حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار في دولة أو منطقة ما، بهدف إعادة تشكيلها وفق توازنات ومصالح جديدة. وقد طُرح هذا المفهوم بقوة في الخطاب السياسي الدولي في مطلع الألفية الجديدة، حيث اعتُبر أن تفكيك البنى القديمة قد يفتح الطريق أمام أنظمة جديدة أكثر توافقًا مع موازين القوى العالمية.
وفي الحالة السودانية، تبدو مظاهر الفوضى واضحة في تعدد مراكز القوة، وتفكك مؤسسات الدولة، وتداخل الصراعات السياسية مع النزاعات المسلحة، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية التي تسعى كلٌ منها لحماية مصالحها أو تعزيز نفوذها في هذا البلد ذي الموقع الاستراتيجي والموارد الكبيرة.
لقد مرّ السودان منذ استقلاله بدورات متكررة من الانتقال بين الحكم المدني والعسكري، غير أن المرحلة الراهنة تبدو أكثر تعقيدًا، لأن الصراع لم يعد سياسيًا فحسب، بل أصبح يحمل أبعادًا عسكرية واقتصادية وجيوسياسية متشابكة.
فالبلاد تقع في قلب منطقة شديدة الحساسية، تربط بين البحر الأحمر وعمق إفريقيا، وتملك موارد طبيعية ضخمة، من الأراضي الزراعية الخصبة إلى المعادن والثروات الطبيعية. وهذا ما يجعلها محل اهتمام قوى إقليمية ودولية ترى في استقرارها أو اضطرابها عاملًا مؤثرًا في موازين المنطقة.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تتحول الفوضى أحيانًا إلى أداة ضغط لإعادة ترتيب المشهد السياسي، سواء عبر إضعاف مؤسسات الدولة التقليدية أو عبر خلق واقع جديد تفرضه موازين القوة على الأرض.
لكن التجارب التاريخية تثبت أن الفوضى، حتى لو وُصفت بالخلّاقة، غالبًا ما تكون مدمرة للمجتمعات قبل أن تنتج أي نظام جديد. فهي تدفع ثمنها الشعوب أولًا، عبر النزوح والدمار الاقتصادي وتآكل النسيج الاجتماعي.
والسودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم:
إما أن يستمر في دوامة الصراع التي تفتح الباب لمزيد من التفكك والتدخلات، وإما أن تنجح القوى الوطنية في تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء دولة مدنية قوية تقوم على التوافق الوطني والمؤسسات الراسخة.
إن الخروج من دائرة الفوضى لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضع أسسًا واضحة لبناء دولة القانون والمؤسسات.
فالسودان ليس بلدًا عابرًا في الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل هو دولة ذات تاريخ عريق وإمكانات هائلة. وإذا تمكن أبناؤه من استعادة زمام المبادرة وبناء توافق وطني حقيقي، فإن ما يبدو اليوم فوضى قد يتحول إلى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار والنهوض.
لكن الحقيقة الأهم تبقى أن الفوضى قد تُصنع في الغرف المغلقة، أما ثمنها فيدفعه الناس في الشوارع والبيوت والقرى.
ولهذا فإن مستقبل السودان لن تحدده الفوضى، بل ستحدده إرادة أبنائه وقدرتهم على بناء الدولة التي يحلمون بها.