
التجاني حاج موسى .. كلمني يا حلو العيون …
التجاني حاج موسى .. كلمني يا حلو العيون …
بقلم: أمير أحمد حمد
لا غرابة أن يأتي شاعرنا التجاني حاج موسى بهذا الإبداع، بيد أنه من مدينة الدويم، عاصمة الثقافة والمعرفة الأولى. ولد بها عام ١٩٤٩، ودرس بمدارسها: المدرسة الأولية الملحقة بمعهد بخت الرضا، وواصل مسيرته التعليمية حتى التحق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم كلية الحقوق في العام ١٩٦٩. ثم عمل مفتشاً بمصلحة الضرائب، ثم انتُدِب أميناً لأمانة الآداب والعلوم الإنسانية والنشر بالهيئة القومية للثقافة والفنون التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، ثم عمل أميناً لمجلس المصنفات الأدبية، فبذل جهداً مقدّراً في قوانين الملكية الفكرية.
دخل التجاني حاج موسى قصر الشوق وهو لا يدري أنه سيكون ملكاً على هذا القصر، ملكاً على وجدان كل المحبين للهوى والأشواق. ظلّت كلماته ترياقاً يتداوى به من أصابه سقم العشق، وبات يعدّ النجوم: وأنا والليل ومرّ جفاك مساهرين نحكي للأفلاك… مساهرين يا هاجر.
هذه واحدة من إبداعاته الثمينة التي تزيّن بها عبقري الغناء السوداني عبد الكريم الكابلي. وفي عزّ الليل غشي وميض كلماتها النور الجيلاني، فوضع لحناً مغايراً للحن الكابلي.
هكذا كانت بدايته “قصرًا من الشوق”، وبعدها أنشأ قصوراً من الأشواق بكلماته البسيطة الوسيمة المستوحاة من كلام العامة، فاستطاع أن يسيغ هذه الكلمات متجانسة ذات جرس يؤثّر في الأذن شجياً.
نضج عوده وأصبح من ملوك شعراء الأغنية، فزاحمت راياته آفاقهم، فأصبح رقماً يصعب تجاوزه.
توزّعت كلماته بين المطربين، فأصبحت إضافة كبيرة لكل فنانٍ تغنّى بها.
ومن أشهر أغنياته أغنية أمي الله يسلمك التي تغنّى بها الفنان كمال ترباس. كتبها التجاني وهو يصوّر فيها برّه لأمه، فصارت صدقة جارية في ميزان حسناته كلما غنّاها الفنانون:
أمي الله يسلمك
يديِّك لي طول العمر
في الدنيا يوم ما يلمّك
أمي يا دار السلام
يا حصني لو جار الزمان
ختيتي في قلبي اليقين
يا مطمّني بطمنك
لم تكن من نصيب ترباس هذه الأغنية فقط، فتوالت عليه كلماته وألحانه، فكانت جاي تفشّ الماضي وأظلم من ظَلَم من ألحان شاعرنا نفسه. كما وهبه الله ملكة الشعر، كذلك منحه ملكة التلحين رغم أنه لا يجيد عزف أي آلة موسيقية.
تغنّى من كلماته أيضاً الفنان زيدان إبراهيم بعدد من الأغنيات، على رأسها قصر الشوق وهي أوّل أغنية تُغنّى له من ألحان الأستاذ عمر الشاعر. ثم كانت ليه كل العذاب من ألحان الفاتح كسلاوي. ثم جاءت موال الليل وشقا الأيام والحب الكبير من ألحان بشير عباس. ثم أخيراً إذا الخاطر سرح عنك تأكد إنّه راح ليك من ألحان سليمان أبوداوود، ولحنها يعتبر نقلة في مسيرة زيدان، فهي أول مرة يغني فيها زيدان على إيقاع السيرة في كسرة الأغنية.
وغنّت البلابل حبايبنا من ألحان بشير عباس. وغنّى أيضاً من كلماته صيدح دار فلاح عبد الوهاب الصادق من بعد ما فات الأوان ولو حبائب زي ما بتقول، وقد برع شاعرنا في وضع الألحان لهما، وكان التنافس على أشدّه بين ترباس وعبد الوهاب الصادق، ردّ الله عافيته.
كما غنّى من كلماته خوجلي عثمان أغنية “شرع الحب” الشهيرة بـ من وين يجيني النوم. وكذلك أبو عركي البخيت، فقد زَيّن مسيرته الفنية حينما تغنّى بكلمات شاعرنا واحشني، فصارت من جميل أغنياته الكبيرة.
وكذلك صدح مجذوب أونسة بكلماته في أغنية مكتول هوى ومغرم صبابة. وغنّى أيضاً محمد ميرغني رائعته بشكي ليكم يا مظاليم الهوى من ألحان محمد سراج الدين، وكلّمني يا حلو العيون من ألحان التجاني ذاته، ويا طير راجع لعشك وغيرها.
ولم يبخل شاعرنا على أطفالنا الحلوين، فكتب شوفوا دنيتنا الجميلة من ألحان يوسف حسن الصديق، وظلّت شعاراً لبرنامج الأطفال. وكذلك قول صباح الخير من ألحان يوسف حسن الصديق، أداء الفنان محمود تاور.
وامتد عطاؤه فشمل الفنانة آنذاك إلهام الشرق التي تبنّاها الأستاذ العاقب محمد حسن، فغنّت من كلماته الحب الراح بين ألم ونواح من ألحان العاقب محمد حسن، ولكن شاءت الأقدار أن تتوقف عن الغناء.
وكاد أن يُنسى أيضاً أن الهادي حامد (ود الجبل) تغنّى من كلماته، وهو مجدّد الألحان. وبالتأكيد سقط عن الذاكرة العديد من المطربين الذين تغنّوا من كلمات شاعرنا التجاني حاج موسى، لأنه صاحب إنتاج غزير يضيق المقال عن حصره. وما زال شاعرنا مبتلى بكتابة الشعر، وما أحلى الابتلاء. ربنا يمتّعه بالصحة والعافية.