عبد الحميد كافي .. ذاكرة أم درمان وروحها التي لا تنطفئ

عبد الحميد كافي .. ذاكرة أم درمان وروحها التي لا تنطفئ

بقلم: بروفيسور أبشر حسين

هناك أشخاص يمرّون في حياتنا كأنهم جسور تربط بين زمنين، زمن عاشوه بكل تفاصيله، وزمن لم نلحقه لكننا تعلمناه منهم. والمرحوم عبد الحميد كافي كان واحدًا من أولئك الذين يُشعِرونك أنك تجلس أمام ذاكرة تختزن تاريخ أم درمان الثقافي، والمسرحي، والسياسي، والغنائي، والشعبي، وتفتحه أمامك صفحة بعد صفحة، دون تكلّف ولا عناء.
لم تقعده حالته الصحية ولا عجز الحركة عن ممارسة نشاطه اليومي. كان ثابتًا في مكانه، لكنه حاضر في كل مكان، وكأن روحه تسعى حيث لا تسعى الأقدام. كانت له قدرة عجيبة على تحويل أي مجلس إلى صالون ثقافي، وأي حديث إلى نافذة تطل منها على وجدان البلد وذاكرة المدينة.
ارتبطت به بعلاقة وصداقة مميزة. كنت أمرّ عليه كل يوم بعد نهاية العيادة المسائية، كأنما يدفعني الشوق إلى تلك الجلسة التي أشعر بعدها بأن شيئًا جديدًا قد أضيف لذاكرتي، فقد كان الرجل مدرسة كاملة؛ لا تخرج منها إلا وقد ازدادت بصيرتك بالناس، وبالبلد، وبالتاريخ، وبالفن، وبالحياة ذاتها.

رجل يختزن أم درمان الخمسينات والستينات في ذاكرته

كان عبد الحميد كافي مرجعًا في الشعر والأدب وتاريخ السودان، لا سيما تاريخ أم درمان الثقافي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
وذات مرة، قال لي أحد أصدقائه القدامى: «عبد الحميد دا يا أخي، لو كان كتب، كان خلّى الناس تقرأ تاريخ أم درمان بطعمها الحقيقي.»
كان يحكي عن المسرح كأنه عاش على خشبته، وعن الشعر كأنه يُلقى في لحظته، وعن الغناء كأنه يسمعه مباشرة من صاحبه. كان عبد الحميد من الإداريين الأفذاذ بنادي الموردة، كان يتحدث بقبطه عن ترنه ودرار الغلبو الهلال، وعن المحينة وبكري عثمان وود الزبير، وعن عمر التوم وعمر موسكو (وغالبين نكسب ودرون نكسب)، وماجد وجقدول والأمير منزول.
يحدّثني بحيوية طفل عن بدايات المسرح القومي، كيف كان الناس يقفون طوابير أمام البوابة الخشبية، كيف كانت الحفلات تُنقل مباشرة على الهواء، وكيف كان الجمهور يحفظ أسماء المخرجين والممثلين كما يحفظ أسماء لاعبي الكرة.
وكان يقفز بين الأسماء كأنها أفراد أسرته: ميسرة السراج، خالد أبو الروس، الفاضل سعيد، عشمانه والسميح، تمثيليات تور الجر، مسرحية خراب سوبا، عم جاد الله وأفلامه التسجيلية، حسن عبد المجيد وحمدن الله عبد القادر. ويحكي عن خطوبة سهير وكأن الحدث وقع بالأمس، وعن “عِشّة أم رشيرش” كأنها صورة عالقة في ذاكرته لا تشيخ. ثم يفيض حديثه عن مكي سنادة وتحية زروق، وعن البدايات الحقيقية للدراما السودانية، وكيف تشكلت مدارس الأداء والإخراج، وكيف كانت الصحف والمجلات تقيم معارك نقدية حول كل مسرحية.
وكان كلما ذكر اسم هاشم صديق لمع في عينيه ذلك البريق القديم، بريق الأيام التي كان فيها كل شيء يولد أمام أعينهم: الشعر، والمسرح، والأغنية، والوعي الوطني.
حدثني عن زيارة كوكب الشرق أم كلثوم، وفي ذلك اليوم لبسوا أفخم الثياب واستمتعوا بأمل حياتي وهذه ليلتي ورباعية الخيام، وإن لم أكن أخلصت في طاعتك، فإنما يغفر لي أنني عشت لم أشرك في وحدتك.
لم يكن عبد الحميد مجرد راوٍ للأحداث، بل كان شاهدًا حيًا على التحولات.
كان ملمًا بالنشاط السينمائي كما يتقنه المتخصصون، يحكي عن عروض السينما المتجولة التي كانت تقف في الأحياء الشعبية، وعن الأفلام التسجيلية الأولى، وعن محاولات السودانيين الأوائل في صناعة الصورة.
يحكي عن مسلسلة “الوطاويط”، وعن نقاشات تلك الأيام حول تأثير السينما على الوعي الاجتماعي، وكأنه يجلس في حلقة نقاش في معهد الفنون.

الغناء ذاكرة الوجدان السوداني

وعندما يدخل منطقة الغناء، ترى البهجة تطفر من وجهه. يتحدث عن حفلات الأعراس التي غنى فيها سرور وكرومة والأمين برهان وزنقار، وكيف كانت البيوت تُضاء بالسكسفون والعود والدفوف. يحكي عن عبد الحميد يوسف وغنائه “غضبك جميل زي بسمتك”، وعن حفلات حي العرب، وعن التاج مصطفى و”يا روحي”، وعن عبد الدافع و”البحيرة”، وعن الجلسات التي يبدع فيها عبيد الطيب والكاشف والملحمة وبهاء الدين أبو شلة. كان يعرف تاريخ كل أغنية: متى كُتبت، ولمن غُنّيت، وكيف خرج اللحن، ومن كان حاضرًا في تلك الليلة.
أما حديث السياسة، فكان لعبد الحميد فيه باب خاص. يحكي عن البرلمان يوم إعلان الاستقلال، وعن الأشقاء والاتحاديين، وعن خرق الدستور، وعن المحجوب وعبد الله خليل، ودور السيد علي والسيد عبد الرحمن، والجبهة المعادية للاستعمار عن حركة علي حامد، ودور النقابات في أكتوبر، وحل الحزب الشيوعي.
يحكي لك ما جرى خلف الكواليس، وما لم يُكتب في الصحف، وما قيل في الغرف المغلقة. وكان يحدثك بنبرة العارف، لا بنبرة المنحاز عن سياسة المسكوت عنه… ودفاتر الأيام القديمة.

جلسة السبت .. محفل أم درمان الثقافي

كانت جلسة السبت الصباحية في دكان عبد الحميد كافي حدثًا أسبوعيًا، يحضرها لفيف من المثقفين: الفريق علي صالح، الأستاذ عمر محجوب (زورو)، الشاعر الفخم عوض أحمد خليفة (يا ربيع الدنيا)، اللواء عبد الكريم كافي، اللواء طاهر إبراهيم (يا خائن)، إبراهيم الرشيد (لو داير تحب)، الشاعر سعد الدين (عن حبيبتي)، الملحن عمر الشاعر.
إداريون من نادي الموردة واتحاد الكرة: السر وقيع الله، وعلى عيسى، والسر بخيت، وسامي فتح الرحمن، وصلاح كافي، وصلاح فرح. ومن الحضور: خالد محمد علي، وصلاح الرجل، والضالين، نادر عبد الواحد، وكثير من العابرين من سياسيين وكتّاب وفنانون.
كانت الجلسة أقرب إلى ندوة ثقافية مفتوحة: عندما يتحدث عوض أو الطاهر أو إبراهيم الرشيد، نصمت جميعًا… ليس إجلالًا فقط، بل لأن حديثهم يشبه الشعر نفسه. وذات مرة ألقى الشاعر الكبير عوض أحمد خليفة رائعته: «لو إنت ناكر للهوى… زيك كنت غفرتو ليك» في جلسة دكان عبد الحميد، فأصاب الصمت القلوب قبل الآذان. أذكر ذلك اليوم عندما غنّاها أبو عركي، وتذكرت زواج دفع الله وعزف الترومبيت الذي منح الأغنية وجهًا آخر.
كانت تلك الأيام، كما قلت، ذخيرة لفك طلاسم الحياة.

ظرف وذكاء وروح لا تتكرر

ومن أجمل الذكريات تلك الواقعة التي أذكرها كلما ابتسمت: دخلت عليهم يومًا متأخرًا، وكانوا قد بدأوا الإفطار. سألني عبد الحميد: «متأخر ليه؟» قلت له: فتحت بلاغ في الشرطة. سأل مندهشًا: «بلاغ ضد منو؟» قلت: ضد سعد الدين… لأنه حرامي! توقف الجميع عن الأكل واللقمة في أيديهم. سعد الدين مذهول… فقلت له: أنت سرقت مشاعري يا سعد! ألم تقل عن حبيبتي: بقلكم حتى وصلت مرة غنت عن هوانا؟ فضحك الجميع، وقال سعد مخاطبًا عبد الحميد: «يا أخي صاحبك دا مجنون عديل!»

رجال لا يذهبون بل يبقون في الذاكرة

عبد الحميد كافي لم يكن مجرد رجل يجلس في دكانه. كان ذاكرة مدينة كاملة، ومختصرًا لزمنٍ لن يتكرر. كل جلسة معه كانت درسًا في الحياة، في الأدب، في السياسة، في الثقافة، وفي معنى أن تكون سودانيًا أصيلاً.
رحم الله عبد الحميد كافي، وعوض أحمد خليفة، وطاهر إبراهيم، وإبراهيم الرشيد، والفريق علي صالح، والسر وقيع الله. وبارك الله في أعمار الأحياء الذين لا زلنا نلوذ بهم من وعثاء.