
في اليوم العالمي للغة العربية
في اليوم العالمي للغة العربية
إنَّ الذي ملأ اللغات محاسنًا .. جعل الجمال وسرَّه في الضاد
بقلم: عمر عبد العظيم
كما تتزيَّن البِقاع خُضرةً ورونقًا وبهاءً بأزاهير الرياض، والبحيرات، والخِلجان، والحِياض، وتكتسي حُلَّةً زاهيةً من الألوان تجذب من خلالها نواظر وألباب السُّيّاح، وتُغري بالزيارة والمغامرة والاستكشاف، وحتى تكتمل هذه اللوحة لا بد أن يُضفي إنسانها من المحاسن ما يعزِّز رغبتك في شدِّ الرحال إليها. ويتأتّى ذلك من خلال جذبك بسماحة أخلاقه، وكريم خصاله وخِلاله، ولباقة حديثه وبيانه.
فللبيان تأثير على السامع، ووقع في الآذان، وأثر في الجَنان، وكما قال صلى الله عليه وسلم في رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
(إنَّ من البيان لسحرًا).
وهذا البيان تشرفت به اللغة العربية على سائر اللغات، وازدادت تيهًا بفضلٍ عظيمٍ وخالد، وهو نزول القرآن الكريم بلسانها، قال جلَّ في علاه:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}.
وقال تعالى في آيةٍ أخرى:
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.
ويتوالى ذكر هذا الفضل للغة الضاد في آياتٍ أُخَر، بالإضافة إلى تعضيد السنة النبوية لذلك، فقد أوتي صلى الله عليه وسلم الفصاحة، واللسان المبين، والبلاغة، والإيجاز ما لم يُؤتَ لأحدٍ قبله من الأنبياء والمرسلين. فاجتمعت له هذه الخصال، فكان أعذبهم كلامًا، وأحلاهم منطقًا، يأسر الأرواح والقلوب. فقد قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
(فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون).
إن العارفين بمكانة هذه اللغة السامية يتذكرون ما قاله الإمام ابن الجوزي رحمه الله محتفيًا:
(وإنما يعرف فضل القرآن من عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة، وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
أما الأدباء المعاصرون فقد فُتنوا بهذه اللغة، وتغزّلوا فيها، وزيّنوها بالعقود والدرر والحُلي. فلغة الضاد تفتنك بنغمها الرنّان وإيقاعها الفتّان. يقول عباس محمود العقاد في كتابه اللغة الشاعرة عن لغة الضاد:
(اللغة الشاعرة هي اللغة العربية، وليس في اللغات التي نعرفها، أو نعرف شيئًا كافيًا عن أدبها، لغة واحدة توصف بأنها لغة شاعرة غير لغة الضاد، أو لغة الأعراب، أو اللغة العربية).
ويقول مصطفى صادق الرافعي داعيًا ومنبّهًا إلى الاهتمام باللغة العربية، ومحذرًا من أن الخنوع في الشعوب والانتكاسة يبدأ بترك الناس لغتهم وعدم الاهتمام بها:
(ما ذلّت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهابٍ وإدبار).
كذلك كان للمستشرقين وقفة مع هذه اللغة العظيمة، فالمستشرق المجري عبد الكريم جالينوس قال:
(إن في الإسلام سندًا هامًّا للغة العربية أبقى على روعتها وخلودها، فلم تنل منها الأجيال المتعاقبة، على نقيض ما حدث للغات القديمة المماثلة كاللاتينية، حيث انزوت تمامًا بين جدران المعابد).
وفي الاهتمام بهذه اللغة الخالدة يقول الشيخ الطيب السراج، وهو من علماء السودان الجهابذة في اللغة العربية، التي اكتنزت محبة عميقة في قلبه، ووهب حياته لآدابها وأشعارها، يغوص في أعماقها منقّبًا عن دررها الغوالي، فتخرّج على يديه الكثير من الأعلام والساسة والمفكرين، وتعلّموا على يديه. وقال فيه عباس العقاد:
(إن شيخ الطيب بحر، ولكنه بحر متلاطم الأمواج).
قال شيخ الطيب بلسانه العربي المبين:
قالوا: استعيدوا مجدكم تجديدا
لاقى المراد من النُّصح مرِيدا
قرع الظنابيب اليعاسيب الأولى
يحيون فينا كل يوم عيدا
شدّ الحيازيمَ الكرامُ ليبعثوا
بعد البِلى لغةَ الجدود جديدا
كان مزمارًا على لهواتها
وكان نايًا يُستثار وعودا
وكأنما تتلو زبورًا أُلقيت
ترتيله والنغم من داودا
وهذا شاعر النيل حافظ إبراهيم يتغزّل في العربية فيقول:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا البحر عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني
ومنكم، وإن عزّ الدواء، أساتي
ما انفك المثقفون والعالمون باللغات إلى يوم الناس هذا بين مدافعٍ عن لغته ومتحيّزٍ لها، حتى جاء أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة غراء عصماء تجلّى فيها، فجمعت محاسن هذه اللغة وبيّنت مكانتها. ومثل شوقي مثل العالم، فهو الدارس في باريس، الناهل من علومها وآدابها، العالم بسحر لغتها، والمتحدث بالإنجليزية الرصينة، فتحيّزه للعربية هو تحيّز العارف بمكان اللغات وفرائدها.
ويختم شوقي بقوله الخالد:
إنَّ الذي ملأ اللغات محاسنًا
جعل الجمال وسرَّه في الضاد
ولا بد أن يأتي يوم تعود فيه لهذه اللغة مكانتها الحقيقية والطبيعية بين اللغات، وذلك يتأتّى باهتمام هذه الأمة بلغتها. ويبدأ ذلك من المنزل حين تُشحذ همم النشء بتحبيبهم لهذه اللغة، وإلزامهم بالتحدث بها، ثم في المدارس، ويكون ذلك بقيادات الدول العربية والإسلامية، كلٌّ في بلده، بالتنسيق مع وزارات الثقافة والتربية والتعليم.
وختامًا، لا أجد عبارة أبلغ مما قاله البروفيسور عبد الله الطيب، بحر العلم والعلامة في اللغة العربية، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس علمًا في المحافل الدولية، وسحر الألباب بعلمه المتدفق، حين سُئل عن اللغات التي يُجيدها، فأجاب قائلًا:
(أُجيد الفرنسية والإنجليزية، وقليلًا من العربية).