عبدالمجيد طاحونة .. بنحبّو زي أبونا

عبدالمجيد طاحونة .. بنحبّو زي أبونا

بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي

عبدالمجيد عبدالكريم عبدالله، اسمٌ حين يُذكر يستدعي حيّ القلعة بكل دفئه، ويستحضر أسرةً عريقةً ضاربة الجذور، هي أسرة الحداد، التي عُرفت بالعمل الشريف، والإتقان، وحبّ الناس. وما زالت الذاكرة تحتفظ بتلك الأيام البعيدة، ونحن صغار، حين كانت طاحونة العم عبدالله فضل الله واحدةً من أنظف وأدق طواحين مدينة عطبرة. كان الرجل مثالاً للنظام والدقة؛ لكل زبون رقم، قطعة خشبية صغيرة تُربط على طرفي قفاف الطحين، لا تختلط الأدوار ولا تضيع الحقوق. مواعيد مضبوطة، وطحن متقن، وسمعة تسبق صاحبها.
من ذلك البيت المنتج، ومن تلك القيم الصلبة، خرج عبدالمجيد، حتى ارتبط اسمه في وجدان أهل حي القلعة والدرجة بطاحونة عمه، فصار الصبية إذا لمحوه يهتفون ببراءة وحب:
عبدالمجيد طاحونة… بنحبّو زي أبونا.
وكيف لا يُحب؟ وهو ما شاء الله، المايسترو الذي لا يقف أمامه عطل. نجارة، حدادة، سباكة، كهرباء، تبريد وتكييف… مهارات متعددة، وبصيرة حاضرة، ويدٌ تعرف طريقها. بل كان له نصيب حتى من هواياتٍ إنسانية بسيطة كالحلاقة وإصلاح الساعات وغير ذلك.
عبدالمجيد رجل موهوب (صاحب بصيرة وبصارة) كما يقول أهلنا الكبار. يحمل شنطة صغيرة، لكنها عامرة بكل ما يلزم لإصلاح الأعطال، وقطع غيار تُنقذ الموقف عند الضرورة. يُنهي عمله بصمت، يتجه نحو باب الخروج دون انتظار أجر، فإن وضع صاحب البيت ما تيسّر في جيبه شكر، وإن لم يفعل مضى عبدالمجيد دون سؤال.
تخرّج من كلية الخرطوم المهنية – القسم الإضافي المسائي، تخصص كهرباء وسباكة، أربع سنوات من الجد والاجتهاد. التحق بعد ذلك بهيئة السكة حديد بعطبرة عام 1975، في قسم النجارين، تلك الورشة التي احتضنت قاماتٍ كبيرة مثل الزعيم الطيب حسن، وعبقري التصوير الرشيد مهدي. أما الحدادة، فقد تعلّمها على يد والده الموهوب بدوره، فأبدع فيها وأحسن.
اليوم، وقد قلّ نشاطه قليلاً، ولكن ظلّت الروح كما هي: معطاءة. انحصر نشاطه في بعض الأعمال الاجتماعية الخيرية، وفي مقدمتها غسل الجنائز وتكفينها، خدمةً صامتة، وأجراً لا يُبتغى إلا من الله.
نسأل الله أن يبارك في عمر عبدالمجيد، وفي ذريته، وأن يجعل ما قدّم ويقدّم في ميزان حسناته، وأن يبقى مثالاً للرجل الذي أحبه الناس.
هكذا يمضي عبدالمجيد طاحونة في دروب الحياة، خفيف الظل، ثقيل الأثر، يترك خلفه سيرةً نظيفة كما كانت طاحونة عمه، وذكراً طيباً. هو واحد من أولئك الرجال الذين لا تصنعهم الأضواء، بل تصنعهم القيم، ولا تُخلّدهم المناصب، بل تُخلّدهم المحبة الصادقة في قلوب الناس.
سيظل اسمه جزءاً من ذاكرة عطبرة، خصوصاً حي القلعة والدرجة والمربعات والموردة، وشاهداً على أن العمل عبادة، والخدمة شرفاً، والإنسانية أسلوب حياة. ومن أمثال عبدالمجيد تُروى الحكايات، وتوزن المدن، ويُعرف معدن الرجال.