طن ونصف ذهب فقط لنهضة عطبرة الحديثة

طن ونصف ذهب فقط لنهضة عطبرة الحديثة

بقلم: إبراهيم فتح الرحمن سمباي

عدتُ إليها بعد أربعة أعوام، فوجدتُ تحوّلاً ملحوظاً، فما رأيته
في عطبرة يعادل ما تصنعه أربعون سنة في مدنٍ تمضي ببطء: عمائر، منتجعات، فنادق، أسواق، كافيهات ومقاهٍ، وحركة رأسمال لا تخطئها العين.
لم يتقاعس المستثمرون والوافدون عن ضخ أموالهم في مدينة عطبرة بعد الحرب، يوم توقفت الحياة في عاصمة البلاد، فاندفعت الاستثمارات إليها بما يُقدَّر ما بين 700 إلى 900 مليون دولار. أموال صُبّت بثقة، لأن عطبرة كانت ولا تزال، وعداً مؤجلاً.
بلغ الحال أن قطع الأراضي في بعض المواقع الاستثمارية صارت تُقدَّر بالترليونات، أغلى من مثيلاتها في عواصم أوروبية وعربية. واليوم، لا أكتب لأبكي على الأطلال بعد تبدّل الحال، بل لأتأمل المشهد بوعي المسؤولية.
دخلتُها وحوافيها زمردة وملامحها مألوفة متمردة، حتى خُيّل إليّ وأنا على حال الشاعر عنترة، أني لم أعرف الديار بعد توهُّم. وغادرتها وأنا على حال جميل بن معمر إذ يقول:
يموت الهوى مني إذا ما لاقيتها
ويحيا إذا ما فارقتها فيعود..
عطبرة اليوم لا تحتاج إلى عاطفة فقط، بل إلى خارطة طريق، خارطة تجعلها مدينة حضارية يُشار إليها بالبنان، وهي جديرة بذلك، فموقعها
عند ملتقى نهري النيل وعطبرة يبدو وكأنه قدر تاريخي، حيث
يكتمل النيل أطول أنهار الأرض بآخر روافده الكبرى.
إنها اليوم سُرّة السودان الحديث بعد أن تضع الحرب أوزارها بإذن الله، بل قلبه النابض إن أحسنّا الإصغاء لندائه. غير أن عطبرة، بكل هذا التحول، تسبح في بحيرة من مياه الصرف الصحي، وهي السبب الرئيس لظاهرة النز التي تهدد الحياة في المدينة وبيئتها وصحة أهلها. لذا كان لا بد من حلول عاجلة، لمدينة تبلغ مساحتها نحو 40 كلم²
وتضم كثافة سكانية تقارب المليون نسمة. وتتمثل هذه الحلول المقترحة في الآتي:
إنشاء شبكة صرف صحي 100 مليون دولار.
إنشاء وحدة جمع ومعالجة نفايات 40 مليون دولار.
إنشاء شبكة تصريف مياه أمطار بطول 20 كلم 5 ملايين دولار.
إنشاء محطة معالجة وشبكة مياه 8 ملايين دولار.
سفلتة طرق داخلية وأرصفة مع إنارة وتشجير بطول 20 كلم 14 مليون دولار.
إنشاء محطة طاقة شمسية بقدرة 25 ميغاواط 20 مليون دولار.
إجمالي التكلفة المتوقعة:
187 مليون دولار أمريكي.
وهذه ليست أرقاماً مرسلة، بل تقديرات أولية أُعدّت بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، لتكون أساساً للنقاش والتخطيط.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، البسيط في لغته، العميق في معناه: إذا كان المستثمرون قد أنفقوا ما يفوق الـ 800 مليون دولار في عطبرة،
أفلا تستحق عطبرة أن تُعاد إليها هيبتها، ليس لأنها مجرد حاضرة من حواضر السودان، بل لأنها القلب النابض لصناعة الذهب في ولاية نهر النيل، ومركز لوجستي لا غنى عنه في واحدة من أهم سلاسل القيمة الاقتصادية في البلاد. فهل يُعقل أن مدينة الذهب تُحرم من أقلّ من طن ونصف فقط لتنهض نهوضاً حضارياً كاملاً؟!!
إن ولاية نهر النيل تنتج ما لا يقل عن 30 طناً من الذهب سنوياً، ورغم ذلك، لا تزال عطبرة ـ العاصمة التاريخية للعمال والسكك الحديد ومدينة النهرين ـ تنتظر مبلغاً بسيطاً مقارنة بحجم عائداتها: 187 مليون دولار فقط، مبلغ يعادل أقل من 5% من إنتاج الولاية السنوي من الذهب، أي أقل من طن ونصف ذهب!
بهذا القدر المتواضع يمكن أن تصبح عطبرة: مدينة نظيفة ذات صرف صحي متكامل، شوارع مضاءة وحديثة، شبكات تصريف مياه أمطار، تشجير واسع يجعلها من أجمل مدن السودان، بيئة حضارية تحترم الإنسان وتليق بتاريخ المدينة.
إن الاستثمار في عطبرة ليس منّة، بل ضرورة اقتصادية، لأن المدينة هي المحور الذي تدور حوله كل العمليات اللوجستية لصناعة الذهب:
من التصنيع، إلى النقل، إلى الإمداد، إلى العمالة الفنية… كل ذلك يمر عبرها. فهل يُعقل أن تبقى هذه المدينة التي تُغذي اقتصاد السودان بلا بنية تحتية تليق بمقامها؟
عطبرة تستحق، لأنها تُعطي.
وتستحق، لأنها تعمل.
وتستحق، لأن الاستثمار فيها هو ربح مؤكّد، اليوم وغداً بإذن الله..
187 مليون دولار، مبلغ صغير لوطن كبير، ومفتاح لنهضة مدينة لا ينضب عطاؤها. فهل من قائد رشيد يستجيب؟!!.