استراحة ثقافية بين شاطئ النيل والرصافة والجسر قبل نهاية العام

استراحة ثقافية بين شاطئ النيل والرصافة والجسر قبل نهاية العام

 

عمر عبد العظيم

شهد عام 2025 أحداثًا مفصلية ومؤثرة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولم يكن المشهد السوداني بمنأى عن هذه التحولات، رغم الحرب الطاحنة التي تشهدها البلاد منذ أبريل 2023.
ومع ذلك، واصل الحراك الثقافي حضوره ونشاطه، داخل الوطن وفي المهاجر، مؤكدًا أن الثقافة تظل فعل مقاومة ناعمًا، ورافعة وعي، وملاذًا جامعًا في أزمنة التمزق.
في مثل هذه الظروف العصيبة، يتجلّى التعاضد والتماسك الحقيقيان عبر الفعل الثقافي، من خلال الندوات والبرامج والمبادرات التي تسعى إلى إعلاء القيم النبيلة والوطنية، وترسيخ مفاهيم الوحدة والتعايش، وصون النسيج الاجتماعي من التفكك.
ولا تزال كلمات الشاعر الكبير إبراهيم العبادي تتردد في الآفاق، حاضرة بعمقها الوطني وصدقها الإنساني، داعية إلى رفع صوت السودان فوق كل الانتماءات الضيقة، ونبذ القبلية والجهوية، حين قال:
ﺟﻌﻠﻰ ﻭﺩﻧﻘﻼﻭﻯ ﻭﺷﺎﻳﻘﻰ إﻳﻪ ﻓﺎﻳﺪﺍﻧﻰ؟
ﻏﻴﺮ ﺧﻠﻘﺖ ﺧﻼﻑ ﺧﻠت أﺧﻮﻯ ﻋﺎﺩﺍﻧﻰ
ﺧﻠﻮ نبانا ﻳﺴﺮي ﻟﻠﺒﻌﻴﺪ ﻭﺍﻟﺪﺍﻧـــي
ﻳﻜﻔﻰ (ﺍﻟﻨﻴﻞ) أﺑﻮﻧﺎ ﻭﺍﻟﺠﻨﺲ ﺳﻮﺩﺍني
ومن رحم تلك الكلمات، شهدت المهاجر ترابطًا واسعًا بين أبناء الشعب السوداني، تجلّى في مناسبات ثقافية وإنسانية متعددة، رغم اشتعال الحرب واستمرار آلامها. ففي قلب هذه العتمة، ظل منتدى فلاح متقدًا كالشعلة، متنقّلًا بين أحياء أم درمان التي تهالكت جراء الحرب وسقطت جدرانها، لكن إنسانها ظل واقفًا، متفائلًا، ومتمسكًا بالحياة.
وقد جسّد الأستاذ صلاح أبوروف وإخوته في المنتدى هذا المعنى النبيل، حين خففوا أحزان الناس، ونثروا البهجة في قلوبهم، عبر مشاهد إنسانية عظيمة تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي، ووجدت رواجًا واسعًا واستحسانًا كبيرًا، بوصفها نماذج صادقة لدور الثقافة في مداواة الجراح.
أما الحدث الأبرز والأكثر أهمية، فتمثّل في احتفال السودانيين بافتتاح الدار السودانية للكتب، أحد أهم روافد الثقافة في البلاد، والتي توقفت عن العمل لمدة عامين بسبب الحرب. وقد شهد حفل الافتتاح وزير الإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، إلى جانب لفيف من الإعلاميين والمثقفين.
وتُعد الدار السودانية للكتب من أعرق دور النشر، ليس في السودان فحسب، بل في الوطن العربي والقارة الإفريقية، إذ تأسست عام 1969 على يد الحاج عبدالرحيم مكاوي ـ رحمه الله ـ وظلت عبر عقودها الطويلة منارة للمعرفة، وذاكرة حيّة للحراك الثقافي السوداني والعربي.
كذلك دشن الدكتور مرتضى الغالي في العاصمة المصرية القاهرة بحضور جمع من الأدباء المثقفين ثلاثة كتب جديدة له وهي ( العبادي) وهو كتاب يتحدث عن الأستاذ الشاعر الكبير والمجدد إبراهيم العبادي رائد شعراء الحقيبة بجانب كتاب (الحاردلو صائد الجمال) يستعرض فيه مواضيع متفرقة ولمحات جمالبة من شعر الشاعر الشعبي الفحل الحاردلو وأخيراً كان كتاب (الدراويش الطرابى) متناولاً فيه نماذج من الغناء السوداني ومعلقاَ عليه، وقد أدارت منصة التدشين الأستاذة أسماء الحسيني وشارك في النقاش الأستاذ عبدالقادر الكتيابي وآخرين..
قام الفنان التشكيلي السوداني صلاح الدين وديدي بالأشتراك في معرض جماعي إسفيري بأعمال تخص إنقاذ منظطقة دارفور من مخاطر الحرب الدائرة والمطالبة بإيقافها كما قام بلقاء تلفزيوني بقناة البلد بالقاهرة مستعرضاً فيه أعماله وأجرى حواراً صحفياً بصحيفة ألوان .
كما أصدر البروفيسور محمود حسن أبنعوف الخبير الزراعي وعميد كلية الزراعة بجامعة جوبا عدة أعمال هامة في المجال الزراعي منها كتاب حمل عنوان ( فلسفة الإرشاد الزراعي) وكتاب آخر بعنوان (التمكين في الإرشاد الزراعي) يقعد الكتابين لمفاهيم عميقة ورؤى ثاقبة تدق بعمق في المجال وتضئ الدرب لأصحاب التخصص كما قام بإصدار كتاب بعنوان ( شذرات من رحيق السنين) يوثق الكتاب لسيرته الذاته والعلمية التي شملت الإتحاد السوفييتي ودراسته في الولايات المتحدة الأمريكية بجانب مسيرته مع المنظمات الدولية .
من الفعاليات الهامة كان المعرض الإفتراضي العالمي الذي أقيم في معهد جوته للفنانات التشكيليات السودانيات ودارت فيه نقاشات هادفة حول ما يدور في عوالم الفن التشكيلي وشاركت فيه أسماء مميزة صاحبة بصمة في ساحة الفن التشكيلي في السودان والوطن العربي منهم الأستاذة الفنانة أماني درنكي، واستمر المعرض ليومين.
أما العاصمة المصرية القاهرة معقل العلم والآداب والثقافة شهدت حراكاً ثقافياً واسعاً كان بدايته في الثالث والعشرين من ياناير حتى الخامس من فبراير فقد شهدت أرض المعارض الدورة ال56 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حيث شاركت فيه 80 دولة من مختلف أنحاء العالم بمشاركة 1345 ناشراً بحضور جماهيري غير مسبوق تخطي 5 مليون ونصف زائر .
نظمت كذلك وزراة الثقافة 1300 ليلة عرض مسرحي بجانب 60 معرض كتاب محلي و20 مبادرة لتشجيع القراءة وتطوير القدرات و300 عرضاً سينمائياً . شهدت كذلك العام تدشيناً لمجموعة من الأعمال الهامة منها كتاب ( رحلة في عالم الفن المصري القديم) لدكتورة منار تقي الدين تستعرض فيه إستكشافاً للحاضرة الفنية المصرية القديمة ، كما ألفت الدكتورة نوريس محمد سيف الدين كتاباً بعنوان (الجالية الفرنسية فى مصر منذ العام 1882) توثق فيه تأثير هذه الجالية على الحياة الثقافية والإجتماعية بجانب حديثها عن العدوان الثلاثي في العام 1956 في عهد الرئيس جمال عبدالناصر.
ومن أهم الروايات التي نقف عندها لهذا العام كانت رواية ( في نهاية الزمن) للروائي عادل عصمت حيث يسافر بالقارئ ويرجع به عبر الزمن مستعرضاً التقلبات السياسية والحياة الإجتماعية في العهد المصري الحديث بصورة مشوقة وجاذبة،الجدير بالذكر أن له روايتان إحداهما حازت على جائزة نجيب محفوظ في الآداب وهي رواية ( حكاية يوسف تادرس) و الأخرى رواية ( أيام النوافذ الزرقاء ) الحائزة على جائزة الدولة التشجيعية .
شهدت كذلك القاهرة حدثاً إستثنائياً ومهيباً كان له صدى على الصعيد الإقليمي والدولي حيث افتتح في الأول من نوفمبر المتحف المصري الكبير الذي بدأت فكرته في تسعينات القرن الماضي ووضع حجر أساسه في العام 2002 ويعد أكبر متحف في العالم يخصص لحضارة واحدة وأحد أهم إنجازات الدولة المصرية الحديثة.
الإفتتاح ضم 39 وفداً يتقدمهم ملوكاً وأمراء ورؤساء دول وحكومات وبجانب 79 وفداً رسمياً يتقدمهم الرئيس عبدالفتاح السيسي، ويضم المتحف الكبير نوادر من القطع الأثرية الفريدة تُعرض لأول مرة للعصرين الروماني واليوناني بجانب كنوز الملك توت عنخ آمون والملكة حتب والدة الملك خوفو صاحب الهرم الأكبر بالجيزة وبانيه بجانب تحف مميزة تستحق المشاهدة .
كما شهدت العاصمة المصرية حدثاً هاماً وهو إزالة جزء كبير من مقابر السيدة نفسية ونقل عدد كبير من الرفات كان منها قبر أمير الشعراء أحمد شوقي ونقله لمقبرة الخالدين بعين الصيرة.
وفي الحراك الثقافي والأدبي والفني نتوقف مع العاصمة السورية دمشق ملهمة الشعراء والأدباء وأحد أبرز منابع الثقافة في العالم، شهدت في العام 2025 أحداث هامة أبرزها ملتقى الفن التشكيلي في مدينة الطبقة بجانب ترميم حائط الرقة الأثري و إقامة مهرجان الشعر الشعبي الأول في شمال وشرق سوريا، وافتتح كذلك معرض للفن التشكيلي والصور تم عرض خلاله صوراً لشهداء لمقاومة وكان له تأثير كبير عند الحضور وصدى واسع المدى.
كما دشن الأستاذ والروائي بشير البكر كتابه ( سوريا رحلة إلى الزمن الضائع) متحدثاً عن ما شهدته البلاد في فترة غيابه التي استمرت ل45 عاماً في ظل حكم عائلة الأسد متناولاً في الكتاب جوانباً ثقافية وفنية واستشراف مستقبل البلاد ، نال الكتاب إستحسان العديد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين .
أما المملكة العربية السعودية فقد تجملت بالليالي الثقافية فقد شهدت الرياض مهرجان ( بين ثقافتين ) الذي يحتفى بالمناشط المختلفة تجمع الفنون والحرف اليدوية والأطعمة والمأكولات التقليدية بمشاركة الصين لإبراز التنوع الثقافي بينها وبين الرياض وتعزيز قيم المحبة بين الشعوب والترابط بينهما.
وشهد شهر نوفمبر ملتقى الترجمة الدولي الذي يدور حول قضايا الترجمة وأهميتها ويشجع تبادل الخبرات بين أهل التخصص كما شاركت المملكة في معارض الكتاب في الشارقة والكويت دعمًا للتبادل الأدبي والثقافي.
كما أقامت خيمة المتنبي التي تقع في منطقة الأحساء إثر حضورها للقاهرة برنامجاً ثقافياً مستجيبة دعوة من صالون قبس للإبداع استمرت لخمسة أيام شملت ليالي شعرية وبرامج ثقافية وزيارة لعدد من المعالم التاريخية بالقاهرة وكانت تحت عنوان ( تنويعات سعودية مصرية) في مهرجان لقى ترحيباً واسعاً.
وشهدت مدينة غزة إنطلاقة مهرجان غزة الدولي لسينما النساء في نسخته الأولى من بلدان مختلفة ، كما واصل مهرجان غزة لأفلام الأطفال نشاطه تحت شعار “نحب الحياة، غدا” باعثاً التفاؤل نحو غد أفضل، بالإضافة إلى فلم الأخوين طرزان وعرب نصار الذي تنقل بين كان وروما وسراييفو حاملاً أحداث غزة في مشهد أبعد من إدانتها للإحتلال مظهرة التناقضات داخل المجتمع الفلسطيني وحمل عنوان
” Once Upon a Time in Gaza”
الكاتب الفلسطيني سعيد محمد أبو معلا أصدر كتاباً بعنوان ( تمثلات الهوية الفلسطينية في الفضاء الإفتراضي) يوضح فيه الكيفية التي يستطيع بها الفلسطينيون إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي لتشكيل الوجود الوطني مع الإبعاد التي يمارس عليهم من قِبل الإحتلال الإسرائلي عن أرضهم.
مهرجان كان السينمائي قدم ( سعفته الذهبية) للعام 2025 للمخرج الإيراني جعفر بناهي لفيلمه ( مجرد حادث) الذي يتسائل فيه عن التعذيب في الواقع السياسي والنفسي والإجتماعي وكيف يعصف بضحاياه إلى درك الإنتقام وينزع منهم الرحمة.
وفي مهرجان البندقية السينمائي حصد جيم جارموش جائزة الأسد عن فيلمه (أب وأم وأخت وأخ) في عمل يتناول علاقة الآباء بالأبناء المتأزمة الذين بلغوا مبلغ الرشد بطريقة كوميدية.
وعربياً فاز محمد سمير ندا بالجائزة العالمية للرواية العربية ( بوكر العربية) عن رواية (دعاء القلق) التي هي مزيج بين الأسطورة والسياسية.
شهدت الساحة الثقافية صدور بعض الأعمال التي نالت حظاً من الرواج وحصدت الجوائز منها عمل الروائية اليمنية نادية الكوكباني التي حملت عنوان ( هذه ليست حكاية عبده سعيد) فحصلت على جائزة أفضل رواية عربية في مسابقة نجيب محفوظ للعام 2025 متحدثة عن التحولات التاريخية في ثلاث مدن يمنية وهي ( صنعاء وعدن وتعز) من الخمسينيات إلى الألفية.
الكاتب اللبناني المبدع عبده وازن أصدر رواية بعنوان (الحياة ليست رواية) تكمن أهميتها بأن البطل فها محب للإطلاع و القراءة ولايرى لها بديلا بل يعتبرها الحياة.
وبين الرصافة والجسر نتوقف في إستراحة مع الكاتب العراقي جاسم الحلفي الذي صدر له كتاب بعنوان ( اليسار الإيراني من الثورة إلى إيفين) يحكي فيه عن سجن إيفين الموحش بإيران وفترة صديقة السياسي الكردي حيدر شيخ على التي قضاها به وما لاقى من العذاب ، بجانب ما يكشفه الكتاب عن شخصيات إعتقلت في السجن منهم الشاعر الكبير مظفر النواب ويبوح في الكتاب أيضاً بأسرار خطيرة منها تأسيس خلايا يسارية في الحزب الشيوعي التي تحول لاحقاً ل(حزب الشعب).
أصدرت مكتبة الشروق المتميزة والمرموقة كتاباً يتناول موضوعاً شيقاً وتاريخياً بعنوان ( إعلام الجماهير : ثقافة الكاسيت في مصر)
ويتناول الكتاب والمؤرخ الأميركي أندرو سايمون الكاسيت في فترة السبعينيات والثمانينيات وتأثير التكنولوجيا عليه، ويوضح كيف هزت تقنية الكاسيت عرش الدولة وسيطرتها على الإعلام من خلال التلفزيون والإذاعة.
الروائي التنزاني ذو الأصول اليمنية والفائز بجائزة نوبل عبدالرزاق قرنح أصدر رواية ( السرقة) يتناول فيها الصراح الطبقي في تنزانيا وقضايا الإستعمار والفساد، الجدير بالذكر أن أهم رواياته هي ( الجنة) التي صدرت في 1994 و( عن طريق البحر) .
مكتبة دار المعارف العريقة العتيقة الرائدة أصدرت كتاباً للدكتور أنور مغيث بعنوان ( تاريخ لم يكتبه المنتصرون ) عن الترجمة و الفلسلفة والإبداع يتناول فيه قضايا التعليم والمواطنة والفلسفة ، كما يتحدث عن طه حسين ومشروعه الثقافي في مصر وقضايا الفكر العربي الحديث.
كان هذا استعراض لأهم وأبرز الأحداث التي شهدتها الساحة الثقافية والفنية العربية خلال العام 2025 وازدهت بها المحافل مع ترقب في أوساط المثقفين للعام الجديد الذي سيحمل مفاجآت وبشريات .