محمد جعفر عثمان .. شاعر الوسامة والإبتسامة

محمد جعفر عثمان .. شاعر الوسامة والإبتسامة

بقلم: أمير أحمد حمد

شاعرٌ جمع في شعره بين الوسامة والابتسامة، وعشق عيون الحبيب إلى الدرجة التي أحصى فيها رموشها، وجعل من بياض لونها غيمة، وكتب فيها أحلى قصيدة، وتمنى أن تضمه عُشّة هادئة مصحوبة بفرحة. كيف لا، وقد أسره بقوامه الميّاس وعيونه الكحيلة، هذه التي جعلت قلبه ينهدّي إليها، فأصبحت حياته كلها ريدةً للمحبوب، فجعل مكانه وسط الزهور، فكان شبيهاً للقمر في (دورانه). وتمنى أن لا يعدي الهنا، ويجعل الشجن قدره، ولكن لم يدرِ أن المحبوب عنه صارف، فضاعت سنينه حسرةً ولوعة، وتمنى أن يكون عارفاً بهذا الانصراف حتى لا يكتب ما كتب.
وأظنكم عرفتم هذا الشاعر المرهف الإحساس، الأستاذ محمد جعفر عثمان، كاتب جميل الأغنيات السودانية التي سيطرت على الساحة الفنية ردحاً من الزمن، وما زالت تتبختر في روض المغني السوداني الوريف، لأنها اكتملت فيها كل أركان الأغنية من لحن وأداء وشعر. وقد بث كلماته المشحونة بالشجن والرومانسية عبر حناجر ساهمت في انتشارها بين المستمع السوداني المتذوق للفن الأصيل.
ولد شاعرنا في أم درمان العباسية شرق عام 1936، ودرس بمدرسة بيت الأمانة الابتدائية، وأم درمان الأميرية المتوسطة، وعطبرة الثانوية، ثم المعهد الفني، حيث درس المحاسبة. بدأ العمل في بنك باركليز، ثم انتقل إلى بنك الخرطوم، ثم شركة السير ماكدونلز للمحاسبة بشارع الجامعة، ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية، وعمل بشركة الراجحي للصرافات لمدة أربع سنوات، ثم عاد وعمل في بنك عمان المحدود إلى أن تغير إلى بنك المشرق.
وشاعرنا محمد جعفر عثمان سبقته أغنياته قبل أن تعرفه العامة، رغم أنه بدأ مع الكبار، فبدأ مع الفنانة عائشة الفلاتية، ومع الملحن الكبير برعي محمد دفع الله، فكانت باكورة إنتاجه أغنية أشواق أو (ليه أخاف عليك):
ليه أخاف عليك
أنا نار حولي وإنت نور حوليك
وحياة حبي وحنان قلبي
تعال قربي أشوف عينيك ما بخاف عليك
ونفوز بسرور وتشجينا طيور
تنعشنا زهور علشان خديك ما بخاف عليك
دوام أهواك وأتمنى لقاك
تعال يا ملاك أنا مفتون بيك ما بخاف عليك
تزول الآم ونكون دوام
وأردفها بأغنية عيد الأضحى، وأغنية بمناسبة زيارة الرئيس النيجيري إلى البلاد، والأغنيات الثلاثة من ألحان برعي محمد دفع الله. وتُعتبر الفنانة الفلاتية هي من اكتشفت موهبته الشعرية، حيث كان يقرأ لها الأغنيات المكتوبة، لأنها كانت تجهل القراءة والكتابة، لكونه جاراً لها بالحي (العباسية). وقد سبقه في هذا الأمر الفنان حسن ضرار إبان سكرتاريته لاتحاد الفنانين برئاسة الكاشف آنذاك.
وهذه البداية مع الكبار أكسبته ثقةً في نفسه، وانداحت أغنياته بين الفنانين. ولعل تجربته مع الفنان الكبير زيدان إبراهيم والملحن عمر الشاعر هي الأخصب في حقله الفني، فأنتجت محصولاً سمعياً كبيراً بين المتعطشين للنغم والكلمة الوسيمة والصوت الشجي، فكانت أغنياتهم كثالوث انتشر إلى الدرجة التي جعلت بعض المعجبين يكتبون عناوينها على ظهور المركبات العامة والخاصة. فكانت أغنية غربة وشجن، ووسط الزهور، ومصور، وأسير حسنك يا غالي، وحنين يا ليل، وأخونك، التي نالت نصيباً أوفر من الانتشار:
أخونك
هل تصدق أخونك
ما أظن تصدق أخونك
لو شافت عيونك
إيه حاصل بدونك
دي الدنيا بقت عدم
والفرح من غير نغم
والسعادة بقت وهم
والحلوة من غير طعم
وبرضو تصدق أخونك
يا سلام على ريدي
خلاك بقيت سيدي
لو الأماني بإيدي
كنت أهديك عيوني
وأسقيك من وريدي
يا هنايا وجديدي
يوم أشوفك يبقى عيدي
وبرضو تصدق أخونك
كلمات جميلة، ولحن أجمل، وأداء مبهر.
ومن أغنيات شاعرنا الجميلة أغنية ما كنت عارف، يا ريتني كنت عارف، فقد تم عرضها على زيدان فلم يتغنَّ بها، وذهبت إلى عبد العزيز المبارك. ولكن حقيقة هذه الأغنية أنها غُنِّيت أولاً بصوت الفنان المظلوم وابن الموردة بهاء الدين أبو شلة، وقد سجلها رسمياً للإذاعة بصوت فخيم وجميل، وهي موجودة بصوته في مكتبتي. إلا أن نفراً من زملاء عبد العزيز المبارك، منهم محمد الأمين، حضروا إلى بهاء الدين وطلبوا منه التنازل عنها للفنان الجديد آنذاك، ويقصدون عبد العزيز المبارك، فتنازل عنها عن طيب خاطر، لأنه كان منشغلاً عن الفن بالوظيفة.
وبعد ذلك توزعت أغنياته بين مجموعة من المطربين، حيث غنى له عثمان مصطفى أغنية أسرني يا ميّاس، وكذلك عبد العزيز المبارك أغنية أحلى عيون، وبنريد، والريدة الخالدة. كما غنى له تاور أغنية متناسي التي لم يُكتب لها الانتشار، وغنى له شرحبيل أحمد أغنية البمبي ويا قمر أهواك، وغنى له علي اللحو من ألحانه أغنية أفراح سنيني، وغنى له الفنان إبراهيم حسين أغنية عشناك غنا، وكذلك الفنان عز الدين عبد الماجد أغنية عدي الهنا مر وخلي الشجن قدري من ألحان الفاتح كسلاوي، والأستاذ نجم الدين الفاضل بهجة أيامنا وغلاتا، كما غنى له السقيد بين حواجبك وبين عينيك. وامتد تعاونه حتى وصل إلى عمار السنوسي وأسامة الشيخ.
توفي في 13 سبتمبر عام 2005، وترك من الذرية الابن ربيع، وأمنية، وإيناس، وأرملته ملكة بابكر، ربنا يمتعها بالصحة والعافية، وأن يرحم ويغفر للشاعر محمد جعفر عثمان، ويسكنه فسيح جناته.
وأشكر الابن ربيع لتوفيره لشخصي بعض المعلومات الأسرية والفنية.