وخزة الصباح والظهيرة والمساء والهزيع الثاني

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

وخزة الصباح والظهيرة والمساء والهزيع الثاني

 

وخزة الصباح

ترامب يضع يده على أمريكا الجنوبية بعد اغتصاب فنزويلا واحتلاله لغرينلاند، بدأ في العدّ التنازلي وأدخل أوروبا في دائرة الخصومة. ويبدو أن الناتو قد بدأ في التداعي والتلاشي، والملاسنة بين ترامب وماكرون فاقت حدود الذوق العام، وقوات الأطلنطي، رغم رمزيتها، حطّت رحالها فوق الجزيرة المتجمّدة. كندا تقيم إتفاقية صادمة مع الصين وتستورد السيارات الصينية بنسبة 5% من الجمارك بعد أن كانت 100%. وروسيا على حافة الإفلاس، وهي تعاني من نصف الهزيمة ونصف الإنتصار، ولا تعرف الطريقة المثلى للخروج من جحر الضب الذي أدخلت نفسها فيه. والصين مع صغيرتها كوريا الشمالية ينتظرون أي خطوة ترامبية قادمة للإحتلال ليقوموا بإحتلال تايوان. وإيران تتأهب لمعركة كسر العظم، إما الإنتصار التام أو الموت الزؤام. وإسرائيل تمارس الجرائم بالقطاعي وترتجف من تقارير المخابرات (ترى ماذا تُخبّئ لنا طهران؟). وتحالف السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر والسودان والصومال واليمن العنيد السعيد يحدّد ميقات التدشين. بإختصار، كل العالم قام بتعقيم المدافع وتنظيف الطائرات وتسمين الجنود والمرتزقة، وأصبح كل العالم، بكل قاراته، يترقّب بأفواه مفتوحة وأعين جاحظة القشّة التي تقصم ظهر البعير.
وكما يقول أهل السودان (الله يكضب الشينة).

وخزة الظهيرة

سألني أحد الأصدقاء من المعذبين بالشأن السوداني متى ييت تحرير الفاشر؟
فقلت له: عندما يتم تحرير إنجمينا بكسر قلب هذا الكاكا الجبان الذي تنكر لكل الصلات العريقة بيين الشعبين فصارت خزائنه موارده للمال الحرام ومطاره مهوى لأسلحة القتله والمغتصبين وسيرته السياسية إختياره أن يصبح حذاء لأعداء إفريقيا، وقد ذكرني مقام الرجل الوضيع روشته عنترة بن شداد الذي قِيل له كيف تصرع الشجعان ؟ فقال : إذا رأيت فارساً مقاتلاً وصاحب دِربة وهيبة دلفت إلى الجبان فضربته ضربة ينخلع لها قلب الشجاع فأحمل عليه فأقتله.
تُرى متي يقوم الجيش والمخابرات والثوار وأحرار تشاد الصديقة بضرب هذا الجبان حتى ينخلع قلبه فندلف على أسيادهم فنحصدهم.

وخزة المساء

كثير من المؤسسات في العالم العربي بما فيها السودان إنهارت لأن من نختارهم هم الأكثر ذكاء في الغباء ومن أمثلة هؤلاء الأغبياء الأذكياء وأهل الحظ والحظوة أن إثنين من رجال الأعمال أصحاب العلامات والأرصدة كانا يستخدمان إثنين من أغبياء العلاقات العامة وحفظة صناديق الأسرار، قال أحدها لآخر : لم أجد في حياتي من هو أغبى من مرافقي هذا للعلاقات العامة ورد عليه صديقة : والله ما بلغ هذا من الغباء فإن مرافقي هذا أغبى مما لا يقاس ولا يُحد ،فشترطا بإختبار عملي لمعرفة الأغبى ، نادى أحد رجال الأعمال مرافقه الغبي وقال له بصورة آمرة :هذا جنيه إذهب به الآن واشتري لي ثلاجة ومكيف وغرفة جلوس وبوتجاز كهربائي واجعلهم في مخزن المنزل ختى أحضر لمعاينتهم .
حمل صاحبنا الجنية وانصرف فنادى الآخر على صاحبه آملا في كسب الرهان وقال لمرافقه الأغبى : إذهب إلى منزلي وتأكد هل أنا هناك ؟ أوماأ برأسه بالموافقة وانصرف، وفي الباب تقابل الأغبياء فقال أحدهما للآخر: بالله عليك هل هناك أغبى من هذا الرجل فقد أعطاني جنيهاً لأشتري ثلاجة ومكيف وغرفة جلوس وبوتجاز كهربائي مع أنه يعلم اليوم الجمعة وكل الأسواق مغلقة، فرد مرافق رجل الأعمال الثاني: والله لم يكون أغبى من مخدمي فقد طلب مني أن أذهب إلى المنزل هل هو هناك مع أن الهاتف كان بجانبه.
فهل أدركتم ساداتي لماذا إنهار المجتمع العربي سياسياً ورياضياً وفنياُ والإجابة ببساطة أن الأغبياء هم وحدهم من يدرون الشأن العام في الوطن العربي لأنهم ببساطة هم وحدهم البضاعة المعروضة في أرفف الوطن الطويل القامة الحافي القدمين.

 

وخزة الهزيع الثاني

كانت الدول قوية متسعة بالرخاء والأرض الممتدة والكافية والعدل لأن السلطان آنذاك من غير صفات الإلتزام والشجاعة وعلو الهمة والوطنية زيادة على كل ذلك كان مثقفاً فإذا اجتمعت في أي سلطان مآثر الإلتزام والوطنية مع الثقافة فاعلم أننا مقبِلون على إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وقد بلغت الإمبراطورية العباسية شأواً عظيماً، لأن أبو جعفر المنصور كان الأب المؤسس ، كان قائداً وعالماً وملتزماً وفوق ذلك كان مثقفاً كبيراً ،ومما يروى حول معرفته بالمنادمة الحميدة والأدب والثقافة قصته مع حزنه وفقدان إبنه الأثير إلى نفسه وقد إزداد حزنه كمثقف لأنه لم يجد في خاصته من يحفظ قصيدة أبو ذؤيب الهذلي ليتأسى بها في فقدان إبنه جعفر، تقول الرواية:

لما مات جعفر ابن أبي جعفر المنصور، مشى أبوه في جنازته، من المدينة الى مقابر قريش، ومضى معه الناس أجمعون حتى دفنه، ثم انصرف الى قصره، وأقبل على الربيع حاجبه.. فقال: “يا ربيع انظر من أهلي من ينشدني “أمن المنون وريبها تتوجع؟” حتى أتسلى بها عن مصيبتي. فقال الربيع: فخرجت الى بني هاشم وهم أجمعهم حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت اليه فأخبرته.. فقال: “والله لمصيبتي في أهل بيتي أكبر، أفلا لا يكون فيهم أحد يحفظ هذه الدرر، إن والله لقلة رغبتهم في الأدب أعظم وأشد عليّ من مصيبتي في ابني. ثم قال: “انظر هل في القوّاد والعوّام من الجند من يعرفها؟.. فإني أحب أن أسمعها من إنسان ينشدها. قال الربيع: فخرجت الى الجيش واعترضت الناس أصيح فيهم، فلم أجد أحدا يحفظها إلا شيخا كبيرا وكان معلم صبيان، فسألته: هل تحفظ شيئا من الشعر؟ فقال: “نعم.
شعر أبي ذؤيب! فقلت: إذن أنشدني..فابتدأ ينشد القصيدة العينية التي يبغيها المنصور، فقلت له: أنت بغيتي! ثم أوصلته إلى المنصور فبدأ ينشد هذا النص المفعم باللوعة والحزن وصبر الرجال في فقد أبو ذوئيب لإبنه ومصاب الخليفة في ولده ولأن المصائب يجمعن المصابين فقد كان المنصور يستزيده ويجعله يكرر المعاني حتى يتعزي ويتسلى بفقده الألم وقد منح الرجل على حفظه وثقافته وتوثيقه مالاً كثير وقيل أن المنصور بعد أن قرأ الرجل ثلاثاً حفظها وأنشدها وكان صاحب صوت رخيم ونبرة بليغة ولناشئة الأدباء من هذا الجيل نهديهم هذا النص ونحرضهم على حفظه فهذا زمان التحلي والتسلي في مواسم هجرة الأصدقاء والأحباب في المستقر والمنافي .
يقول أبو ذؤيب في رائعتة:

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتَوَجَّعُ
وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ
قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِباً
مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ
أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعاً
إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ
فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ
أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا
أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً
بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ
سَبَقوا هَوَىَّ وَأَعنَقوا لِهَواهُمُ
فَتُخُرِّموا وَلِكُلِّ جَنبٍ مَصرَعُ
فَغَبَرتُ بَعدَهُمُ بِعَيشٍ ناصِبٍ
وَإَخالُ أَنّي لاحِقٌ مُستَتبَعُ
وَلَقَد حَرِصتُ بِأَن أُدافِعَ عَنهُمُ
فَإِذا المَنِيِّةُ أَقبَلَت لا تُدفَعُ
وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها
أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ
فَالعَينُ بَعدَهُمُ كَأَنَّ حِداقَها
سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ
حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ
بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ
لا بُدَّ مِن تَلَفٍ مُقيمٍ فَاِنتَظِر
أَبِأَرضِ قَومِكَ أَم بِأُخرى المَصرَعُ
وَلَقَد أَرى أَنَّ البُكاءَ سَفاهَةٌ
وَلَسَوفَ يولَعُ بِالبُكا مِن يَفجَعُ
وَليَأتِيَنَّ عَلَيكَ يَومٌ مَرَّةً
يُبكى عَلَيكَ مُقَنَّعاً لا تَسمَعُ
وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ
أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ
وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها
فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ
كَم مِن جَميعِ الشَملِ مُلتَئِمُ الهَوى
باتوا بِعَيشٍ ناعِمٍ فَتَصَدَّعوا
فَلَئِن بِهِم فَجَعَ الزَمانُ وَرَيبُهُ
إِنّي بِأَهلِ مَوَدَّتي لَمُفَجَّعُ
وَالدَهرُ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ
في رَأسِ شاهِقَةٍ أَعَزُّ مُمَنَّعُ

والنص طويل ورائع فعليكم بالبحث والتعزي والفائدة وأرسلوا لنا هدايا القول فإن أبو فاطمة كان يقول: ( تهادوا تحابوا) .