
عزيزي القارئ الرجاء الإحتفاظ بهذه الثلاثية حتى الملتقى
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
عزيزي القارئ الرجاء الإحتفاظ بهذه الثلاثية حتى الملتقى
فن إختيار الأعداء
زارني بصحيفة ألوان في منتصف الثمانينات وتحديداً في العام الذي أُزيح فيه نميري عن الحكم في إنتفاضة 6 أبريل أحد أساتذتنا الفضلاء وقد طلب مني أن يعمل معي مدققاً لغوياً بالصحيفة وكان يومها قد تقاعد عن تلك المهنة الشريفة فقلت له: مرحباً إنه لشرف عظيم أن تعمل معنا ليس وفاء فقط لما قدمته لنا من علم وتربية ولكنك فوق ذلك شاعروأديب ومؤآنس وفعلاً ظل الرجل معنا لأكثر من عام وقد إستفاد ناشئة الصحفين من علمه وثقافته وأدبه الجم في معالجة الناس والحياة.
وأذكر أنني حضرت ندوة لمجموعة من المعارضين من الجبهة العلمانية يساراً ويميناً وقد تفننوا وتفانوا في الهجوم على الإسلام وحاكميته وشريعته وقوانينه وتجربته الفياضة التي حكمت البشرية بالهدى لأكثر من ألف عام وادعوا في صفاقة يحسدون عليها أن الإسلام وشريعته وتعاليمهما ما عاد يصلح للبشرية المعاصرة ،وأذكر أنني كتبت مقالاً ساخناً ومدعوماً بالحجج والمفردات الثائرة وقد وجهت سهامي لأحد أدعياء اليسار في تلك الندوة فقد كان أكثرهم سقوطاً وبذائة وتجريحاً للإسلام والمسلمين متخذين ما أسموه بقوانين سبتمبر دريئة للهجوم على عقيدة هذه الأمة فتذكرت هجومهم عام 65 وتطاولهم على شرف المصطفى صلى الله عليه وسلم وعِرضة في ندوة معهد المعلمين العالي والشهيرة ، تلك الجرأة المارقة التي إلتقطتها المجاهدة الدكتورة سعاد الفاتح وحاصرت ومعها جماهير الشعب السودان ومساجده البرلمان وحلت الحزب الشيوعي إنتصاراً للمصطفى صلى الله عليه وسلم.
ناديت على أستاذنا وسلمته المقال ليدققه ويصححه لأن الصحيفة على وشك الصدور، قرأ المقال بتمعن وجائني متهللاً لنصاعة الفكرة واللغة لكنه أضاف في معرفية المعلم العريق بعد الثناء معترضاً بلكن وقدم مرافعة رصينة ضد المقال وقال لي مستدلاً :أنا ليس لي إعتراض على هذه المقالة التاريخية كما سماها ولكن لي إعترض في ردك على هذا الساقط الذي يتجرأ على عقيدة الإسلام فأنا أعرفه معرفة شخصية عميقة وهو جار لي في الحارة ومن حيث الأسرة فهو من أسرة وضيعة مخمورة لا يقترب منها أحد فملامستها ولو من بعيد مثل ملامسة الذباب وقد عرفت هذا الدعّي منذ أن كان طالباً وله جرأة على كل ثوابت الأخلاق وتطاول شهير على القيم والعقائد والرسالات، وقد إلتقطه هذا الحزب الأجرب لدناءته ،لذا فإني أقترح أن لا تمنحه شرف الرد عليه فهو يحلم بذلك ليل نهار وقال لي فإني أنصح أن تجرد المقال من هذا المأفون وتجعله فكرة عامة لهذا التيار الذي ينشرونه هؤلاء الأوغاد وسط الشباب وانتقل فيهم إنتقال الزكام عند الأصحاء واستدل على مرافعته بحكاية موحية للمتوكل مع على بن أبي الجهم ومروان بن أبي حفصه، فقد كان علي بن أبي الجهم قرشياً فصيحاً وصاحب موهبة وكبرياء وكان مروان بن أبي حفصه بن جارية وضيع النسب وبذيء الشاعرية وصاحب فحش في الهجاء ومنازلة الأكارم، وللإستمتاع والمؤآنسة طلب الخليفة المتوكل من على بن أبي الجهم أن يتهاجيا فنفر على بن أبي الجهم من المنافسة لأنها لا تليق به ولا يرى في إبن أبي حفصة نِداً له ولكن المتوكل أصرعلى المنازلة في الهجاء فأفاض مروان في بذائته بأشعار لا تليق في القول ولا في التدوين وظل على بن أبي الجهم صامتاً محتملاً لكل هذه البذاءة والسقوط وعندما اشتدت الوطأة ومطالبة المتوكل بالرد قال أبياته الشهيةر التي سارت بها الركبان:
بلاءٌ ليس يَعدِلُه بلاءٌ
عداوةُ غيرِ ذي حسبٍ ودينِ
يُبِيحُك منه عِرضا لم يصُنهُ
ويرتعُ منك في عِرضٍ مَصون
وختم أستاذنا الأديب العالم مرافعته بعبارة تكتب بماء الذهب :إن العاقل هو ذلك الذي يختارأعداه كما يختارأصدقاءه.
وكان المجنون العاقل الوحيد بين العشاق
كان قيس بن الملوح الشاعر العذري الشهير المسمى ب( مجنون ليلى) كان فارساً وفيلسوفاً في تدبر الحياة والناس وبين ثنايا عشقه القاتل إستطاع أن يخرج الكثير من الأشعار الدراري والحكم التي جملت صحائف أيام العرب وكان يرى في كل جميل ومليح شئ من ليلي أو كل ليلي ومن حكايات العشاق كانت تستوقفنا قصة مع الظبية الوضئية.
قيل أن قيس بن الملوح جالسًا، تائهاً في صحرائه، حين مرّ به أخوه وابن عمه وهما يُمسكان بظبيةٍ فتية نظر إليها قيس، ونظرت إليه، فانتفض قلبه كأنها ليلى بتمامها فقال لهم آمراً بحزم:
أطلِقوها.
فقالوا بدهشة: هي صيدنا
فردّ بكل يقين:
فإنها تُشبه ليلى أطلقوها، وأخذها منهم عنوة وأطلق سراحها، فركضت بعيداً وعندما أيقنت النجاة رمقت من بعيد المجنون بنظرة إمتنان فابتدرها قيس بقصيدة تقطّر وجداً وعشقًا، يخاطبها كأنها ليلى التي لا تُنسى:
أَيا شِبهَ لَيلى لا تُراعي فَإِنَّني
لَكِ اليَومَ مِن بَينِ الوُحوشِ صَديقُ
وَيا شِبهَ لَيلى أَقصِرِ الخِطوَ إِنَّني
بِقُربِكِ إِن ساعَفتِني لَخَليقُ
وَيا شِبهَ لَيلى رُدَّ قَلبي فَإِنَّهُ
لَهُ خَفَقانٌ دائِمٌ وَبُروقُ
وَيا شِبهَها أَذكَرتَ مَن لَيسَ ناسِياً
وَأَشعَلتَ نيراناً لَهُنَّ حَريقُ
وَيا شِبهَ لَيلى لَو تَلَبَّثتَ ساعَةً
لَعَلَّ فُؤادي مِن جَواهُ يُفيقُ
وَيا شِبهَ لَيلى لَن تَزالَ بِرَوضَةٍ
عَلَيكَ سَحابٌ دائِمٌ وَبُروقُ
تَفِرُ وقَد أطلَقتها مِن وَثاقها
فأنتِ لليلى ما حَييتِ عَتيقُ
فَعَيناكِ عَيناها وَجيدُكِ جيدُها
سِوى أَنَّ عَظمَ الساقِ مِنكِ دَقيقُ
وكان الشاعر عتيق يروى الحكاية باستمتاع ويعلق على بيت :
فَعَيناكِ عَيناها وَجيدُكِ جيدُها
سِوى أَنَّ عَظمَ الساقِ مِنكِ دَقيقُ
ويلتفت نحو أبو الروس قائلاً : (يعني يا أبو الروس ماها متبرة فيرد عليه أبو الروس ضاحكاً : أنت بتعاين تحت مالك).
أشجان الغريب
ولو كانت لي وصية للسودانيين المقيمين بالقاهرة وأبوظبي وجدة وكمبالا ومسقط وطرابلس لنصحتهم بأن يكتبوا في غيبة الرقيب هذه الأبيات في تلك المدن القريبة الحبيبة فمثل هذه الأبيات تُغرى بالعودة وتقصي بعد الشجن عن الأنفس الحائرة قيل أنه مر أديب بأحد أزقة بغداد العتيقة وقرأ على أحد حوائطها:
غريب الدار ليس له صديق
جميع سؤاله أين الطريق؟
تعلق بالسؤال لكل شيء
كما يتعلق الرجل الغريق
فلا تجزع فكل فتى سيأتي
على حالاته سعة وضيق