
يوسف محمد الحسن يكتب: الجريفاوي .. قصة القلب الذي أنهكه عشق الهلال
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
الجريفاوي .. قصة القلب الذي أنهكه عشق الهلال
# من المصادفات الجميلة في حياتي، أن مكتب والدي (رحمه الله) كان يقع بجوار دكان الهلالي الكبير العم عبد الرحمن الجريفاوي بسوق بحري، لم يكن ذلك مجرد جوار مكاني، بل كان بوابة نادرة فتحت لي آفاقًا واسعة على المجتمع الرياضي بكل تفاصيله وشغفه، فقد كان دكان عم الجريفاوي ساحة حقيقية يلتقي فيها الرياضيون من كل الأطياف، يتحاورون بحرارة، يتجادلون بشغف، ويخططون لمستقبل (الأزرق) الذي سكن قلوبهم، يعيشون كل تفاصيل عشقه الأزلي
# الجريفاوي لم يكن مجرد تاجر في السوق، بل كان قلبًا نابضًا بحب الهلال، رجلاً يذوب عشقًا في تفاصيل النادي، يتنفس أخبار الفريق، ويعيش على أمل الإنتصارات، فقد كان دكانه مجلسًا رياضيًا حقيقيًا، تتحول فيه النقاشات إلى معارك فكرية حول اللاعبين والمدربين والمباريات القادمة.
# وحين يتحدث عن الهلال ترى في عينيه بريق العاشق الصادق، وحرقة المحب الذي يُهلكه الشغف، ظل الجريفاوي طوال حياته جزءًا من ذاكرة الهلال، لم يخذل ناديه يومًا، ظل داعمًا ومساندًا ومؤازرًا، حتى أرهقه العشق الأزرق بعد ان كتب حكاية عشق ستروى للأجيال
# كنتُ حينها يافعًا أستمع إلى تلك النقاشات بانصات شديد، فألتقط خبايا الوسط الرياضي، وأجد كل صغيرة وكبيرة عن الهلال، ثم أعود إلى البيت مطمئنًا على حال (الأزرق) الذي يسكن قلبي، لكن صدمة واحدة لازالت محفورة في ذاكرتي، وهي اكتشافي أن حبي للهلال الذي كنتُ أتصوره لا يضاهي لم يكن إلا قطرة في بحر عشق رجلين كـالعم (فتيح) وعم عبد الرحمن اللذين يتنفسان الهلال، بل ويعيشان به وله.
# طوال معاشرتي الطويلة لهؤلاء الرجال، لم أرَ عم الجريفاوي مهمومًا إلا لأمر يخص الهلال، ولم أره مسرورًا إلا لنصر هلالي مبين، ففي صباح الانتصار الهلالي كنت أجده ممدودًا بنشوة وفخر، يستقبل المهنئين بابتسامته السمحة وبشاشته المعهودة التي لا تفارقه
# يشهد الله أني لم أرَ فيه إلا السخاء والكرم الفياض، فدكانه كان قبلة لقضاء حوائج الناس، وملجأ لكل محتاج وعابر سبيل.
# ولأن عم الجريفاوي معطاء، صاحب يد عليا منذ شبابه، فقد ساهم بالطوب في تشييد استاد الهلال، وهذا ليس غريباً على رجل بهذه الخصال فقد حظيَ باحترام الأهلة جميعهم، بدءًا من الزعيم الطيب عبد الله، وحتى فترة الأرباب صلاح إدريس، الذي كرمه عندما اختاره وكيلاً ينوب عنه في ترشحه لرئاسة الهلال.
# عم الجريفاوي صاحب ثقل كبير في الانتخابات، لكنه لم يساوم ولم (يسمسر) يومًا، فكلمته كانت قاطعة تجعل من يقف معهم ينعمون بالثقة المطلقة ويرقدون (قفا) إكتفاءا بوعده الصادق.
# حتى الزعيم الطيب عبد الله، عندما كان يريد إخفاء نجوم التسجيلات، لم يجد مكانًا هلاليًا خالصًا آمنًا من منزل عم الجريفاوي، فكم من لاعب سجله الهلال بفضله، و في تدفترة الارباب كنت شاهدًا على دوره المؤثر في تسجيل الكابتن سيف مساوي وغيره من النجوم الذين رأيتهم داخل منزله.
# الجريفاوي هو القيادي الرفيع لرابطة جماهير الهلال الذي لم يقف يومًا أمام مجلس شاكيًا أو باكيًا، فقد كان يسير الرابطة بأمواله، وبما يتمتع به من مكانة مرموقة اهلته لنيل اجماع الاهلة الصعب.
# حقيقة لم نكن بحاجة لكتابة هذا المقال، لكنها الدنيا بتقلباتها المعروفة، خاصة بعد الحرب اللعينة التي أفقدت الناس مدخراتهم، وأنا على يقين بأن عم الجريفاوي متأثر بابتعاد الهلال عن الوطن وبما طال إستاد الهلال من ضرر أكثر من تأثره بما حدث لنفسه.
# وهلال الأوفياء الذي اكتسب قيمته من رجاله العظماء أمثال عم الجريفاوي، لا أظن أن أهله سيتأخرون لحظة في تكريم الهلال في شخص رجل ظل مخلصًا وفيًا له حتى أعياه العشق وأقعده المرض اللعين.
# إن لم يكن الوفاء للجريفاوي فلمن يكون يا اهله؟.