
حصاد العام في مجالدة الغرام
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
حصاد العام في مجالدة الغرام
النشيد الوطني الجديد
من غرائب الجغرافيا والتاريخ في هذه البلاد الطويلة القامة الحافية القدمين، أن كل مغربي فيها، وكل شنقيطي، وكل حضرمي، وكل ليبي، وكل مصري، وكل تشادي، وكل جنوبي، وكل مالي، وكل نيجيري، وكل أثيوبي، وكل أريتري، نعم إن كل هؤلاء الأقرباء والأغراب يمكنهم أن يدعوا بأنهم سودانيون ويقدمون كل الحجج والمرافعات التي تثبت ذلك وينالون الجنسية وجواز السفر والرقم الوطني، إلا السوداني المسكين، فهو الوحيد الذي لن يستطيع أن ينال أي جنسية أو جواز من هذه الأقطار والأعراق المذكورة أعلاه. فما رأيكم دام فضلكم أن نستبدل إسم جمهورية السودان بإسم جمهورية الطلاسم، وأن يكون النشيد القومي الذي يعبَر عن هذا الغموض والمستحيل أبيات أبوماضي:
جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَينَ وَلكِنّي أَتَيتُ
وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقاً فَمَشَيتُ
وَسَأَبقى ماشِياً إِن شِئتُ هذا أَم أَبَيتُ
كَيْفَ جِئتُ؟ كَيْفَ أَبصَرتُ طَريقي؟ لَستُ أَدري
يَرقُصُ المَوجُ وَفي قاعِكَ حَربٌ لَن تَزولا
تَخلُقُ الأَسماكَ لَكِن تَخلُقُ الحوتَ الأَكولا
قَد جَمَعتَ المَوتَ في صَدرِكَ وَالعَيشَ الجَميلا
لَيتَ شِعري أَنتَ مَهدٌ أَم ضَريحٌ؟ لَستُ أَدري
ويكمل هذا الأسمر المسكين الثلاثية ما بين الغابة والصحراء والنهر والبحر والدمع يغطي وجهه الشاحب متسائلاً:
قَد سَأَلتُ البَحرَ يوماً: هَل أَنا يا بَحرُ مِنكا؟
هَل صَحيحٌ ما رَواهُ بعضُهُم عَنّي وَعنكَا؟
أَم تُرى ما زَعَموا زُوراً وَبُهتاناً وَإفكا؟
ضَحِكَت أَمواجُهُ مِنّي وَقالَت: لَستُ أَدري
الشعر عطاء الثورة
الدكتور عبدالرحمن العشماوي هو عدة مواهب مضيئة في روح وجسد واحد وله مفاخر ومآثر في السيرة والفقة والأدب والشعر وله إسهامات في الإعلام السعودي المسموع والمشاهد وله إضفات مشهودة في وسائل التواصل الإجتماعي، وتتسم أشعاره بالإعتداد والحرارة والسمو وهو من الأصوات المبدعة في إيمان والراسخة في كبرياء لم تلِن له قناة ولا شكيمة وهو يدافع عن عقيدته وشعبه وقضايا أمته وقد إشتهرت له هذه الأيام هذه العصماء التي إبتهج لها محبو الشعر والقضية
ياراكبَ الوهمِ هل أدركتَ ما صارا
وهل رأيتَ بنـاءَ الوهم مُنهارا
وهل سمعت نعيقاً كنتَ تحسَبُه
شَدْواً وكنت تظنّ الشّوك أزهارا
أعوذبالله من قلب الحَقودِ ومن
نفس الحَسودِ وممّن يَلعبُ الزّارا
ومَن يَكيـلُ بمِكْـيالَين متّخذاً
من التلَوُّنِ طَبعاً يجلبُ العارا
أعـوذ بالله من كــفٍّ مُدنَّسـةٍ
ترمي على جارها شوكاً وأحجارا
ياراكبَ الوهم إن الوهمَ مَهْلَكةٌ
فلن ترى فيه إلا الجمرَ والنارا
ماذنبُ صومالنا ماذنبُ غزّتنا
ماذنبُ سودانِنا تَجزيه إنكارا؟
وماذنوب الثّكالى الباكيات على
أطفالهنّ بدم عِ العين مِدْرارا؟
وكيفَ تُهتَـك أعراضٌ مُحصّنةٌ
وما صحا قلبُ هَتّاكٍ ولا غارا؟
ماذا جنى اليمنُ الغالي لتضربَه
كفُّ الخيانة تمزيقاً وإضرارا ؟
أما كفاهُ من الحَوثيّ ما اقترفتْ
يداه ظلماً وتخريباً وإحصارا؟
أقصرْيديك عن الصرح الكبير ولا
تُهدِرَ حياتك بالأوهـام إهـدارا
صرحٌ تسامى بدين اللهِ جانبُه
والمسجدين وضمّ الوحيَ والغارا
وفوقَـه رايـةُ التوحيدِ خافقةً
تَزيدُه في قلوب الناس إكبارا
هلّا وقفتَ قليلاً كي تَمُدَّ يداً
يُمْنى تصافح بالإحسـان إيثارا
ما زال في الوقت للتّصحيحِ مُتّسَعٌ
فمن يَتُبْ يَلْقَ ربَّ الكون غفّارا
ومَن تمادى رأى عُقبى تَطاوُلِه
ناراً تلَظّى … وإذلالاً … وإدبـارا
إني لأسمع صوتَ الصّرْحِ يُعلنُها
إن كنتَ ريحاً فقد لاقيتَ إعصارا
الأوغاد لا علاقة لهم بالأمجاد
هنالك أبيات شعر في الشرف والحكمة لم يقرأها ولم تقرأها عصابة دقلو وهي تخبط خبط عشواء في ديار السودانيين ، تقتل وتغتصب وتنهب وتحرق وتدمر ،كأنها ما قرأت يوماً قرآنا ولا روت حديثاً ولا توقفت عند جميل الشعر ومآثر الأدب وإن الذي لم يقرأ للنابغة الجعدي من مكارم وحكمه فإنه يفعل كل ما فعله هؤلاء الاوغاد من شرور وسقوط يقول النابغة الجعدي كأنه يعني أهل السودان الكرام وجيشهم الباسل وكتائبهم في النضال والمجاهدة والمجالدة :
ملكنا فلم نكشف قناعا لحرة
ولم نستلب إلا الحديد المسمرا
ولو أننا شئنا سوى ذلك أصبحت
كرائمهم فينا تباع وتشترى
ولكن أحسابا نمتنا إلى العلا
وأباء صدق أن نروم المحقرا
إبن عمر وصاحب المقدمة
كان الأستاذ والدبلوماسي والشاعر والسياسي الأريب إبن عمر محمد أحمد ( شيخ العرب) يقول لخاصته إن الذي لم يقرأ إحياء علوم الدين للغزالي والبداية والنهاية لإبن كثير وديوان المتنبي ومجموعة شكسبير ومقدمة إبن خلدون فإنه لم يقرأ شيئاً يعينه على إقتحام هذه الجهالات و أزمنة السقوط الفكري وكان يختار من المقدمة مقولة إبن خلدون (إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق، واعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم وحضاراتهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء بهم في أمور الدين والدنيا).
اللحظة الحرجة
هنالك مراحل في تاريخ الأمة تنكسر فيها وتصيبها الزلزلة ويتجاسر عليها العدو حتى يظن العامة والخاصة بأن السماء قد إبتعدت وأن المشيئة قد أصبحت لا تتدخل وحينها تبلغ القلوب الحناجر وقد عبر الشيخ محمد الغزالي عن هذه الزلزلة بمفردة اللحظة يقول عليه الرحمة توصيفاً لحالة الإنكسار النسبيي: (هناك ساعة حرجة يبلغ الباطل فيها ذروة قوته ويبلغ الحق فيها أقصى محنته، والثبات في هذه الساعة الشديدة هو نقطة التحول).
الستون والراية الحمراء
سخر المهندس الراحل والشاعر والداعية الصافي جعفر وكان صاحب دعابة من أحد أصدقاءه الذي تزوج زوجة ثانية بعد أن تجاوز عمره الخامسة والستون فقال له ضاحكاً : إعلم يا صديقي بإن العنفوان والفحولة بعد الستين هما أول علامات البروستاتا ويضج العريس والناصح في فاصل متواصل من الضحك الصريح عليهما الرحمة وحسن القبول.
ضد الرتابة
حتى الصرصار الأسود يلحظ في عش الزوجية رتابة العلاقة وفتور العاطفة حيث تموت الكلمات على الشفاه وتصبح نار العاطفة رماداً وتقل ملاحظة الأزواج للغرائب حتى في غرفة النوم ثم يبدأ العد التنازلي في عميق الروح والجسد و من لطائف القصائد الحرة في هذا الباب:
قال الصرصارُ الأسودُ
المتسلقُ على ستارةِ حجرة النوم
للزوجين المحتفلين في سريرهما الباذخ :
في ليلتكما الأولى
قبل خمسٍ وعشرينَ سنة
لم أكُن هنا.