
عبد الدافع عثمان .. الكروان
بمناسبة مرور (16) عامًا على رحيله
عبد الدافع عثمان .. الكروان
بقلم: أمير أحمد حمد
تمر علينا الذكرى السادسة عشرة لرحيل الكروان وصاحب الصوت الشجي عبد الدافع عثمان فزع، المولود في عام 1928. جده فزع من فزعاب، وهي إحدى فروع قبيلة العمراب، وينتمي من جهة أمه إلى المغاربة، تلك القبيلة ذات الأصول العربية الأصيلة التي انحدرت مجموعاتها إلى السودان منذ عهد مبكر وانصهرت مع القبائل السودانية، فتسودنت كل هذه الدماء وانصبت في عروق مبدعنا عبد الدافع، فكان الألق والفن والطرب لسان حاله. كان يدندن لرفقاء طفولته ببعض الأغنيات لعصفور السودان إبراهيم عبد الجليل وعثمان حسين وإبراهيم الكاشف، فاستحسنوا فيه جمال صوته ونقائه، فاكسبه ذلك ثقة في نفسه، وجعلته متحفزًا على السير في شعاب الفن والطرب.
تعرض عبد الدافع عثمان لحادث في مقتبل العمر عام 1945 أدى إلى بتر رجله، وذلك عندما كان يمتطي الترام وهو قادم من مقر عمله حيث كان يعمل في مصلحة المخازن والمهمات في وظيفة كاتب. أثرت فيه هذه الحادثة تأثيرًا كبيرًا، ولكنها لم تثنه عن مواصلة الإبداع الفني، فولج الساحة الفنية بأغانٍ أكدت أنه يمتلك خامة صوتية لا تقل شأنًا عن الذين سبقوه في هذا المجال. فقد كان يقف إلى جانبه خاله الشاعر والملحن الجهير السيرة مبارك المغربي، وكذلك الملحن الكبير الأستاذ عربي الصلحي، وعثمان عوض الله من أبناء الموردة، والذي يُعد من رواد عزف آلة الكمان، وأحد أفراد المجموعة الأولى التي كونت أول فرقة موسيقية غنائية حديثة في السودان.
كان عربي الصلحي معلمًا بالمدارس الابتدائية وملحنًا رائعًا، يختار لعبد الدافع النصوص ويشاوره فيها، ومن ثم يشرع في تلحينها بعد موافقته المبدئية. ولعل أول عمل جمع بينهما، رائعة مبارك المغربي، أغنية الكروان، والتي أكسبت عبد الدافع شهرة عظيمة والتصقت باسمه، ثم تلتها تلك الأغنية الجميلة التي طالما هيجت أشجان وذكريات للكثيرين، فكانت دائمًا تُطلب في برنامج “ما يطلبه المستمعون”، وهي أغنية مرت الأيام:
مرت الأيام كالخيال أحلام..
وانطوت آمال كم رواها غرام..
مرت ومر نعيم كان ظني فيه يطول، لكنه مرا سريع
خلف وراه هموم آلام ما بتزول، ما بين أرق ودموع
ما كان جزاي أهيم سميري يبقى الليل، وهوانا لسه رضيع..
ما كان خطر بالبال. ألقاك يسكرني تعبيرك
أو حين أراك تختال، أهواك وأفوز بتقديرك.
نتلاقى في الإحساس والحب يهنينا
وكأس المودة تدوم بالبهجة والإيناس، والليل يغنينا
والبدر لينا سمير.
ذكراك ما ذكراك غير العذاب ألوان
لو أستطيع أنساك أو أعرف السلوان…
وقد كانت وما زالت تحفة وجوهرة في جيل الأغنية السودانية، وقد رددها عدد من المطربين، منهم حمد الريح ومصطفى سيد أحمد. ثم جاءت بعد ذلك فترة الملحن برعي، الذي لحن له عددًا من الأغنيات، أشهرها التي وضع كلماتها عبد المنعم عبد الحي، وجاءت باسم همسة عاشق:
هبت نسائم الليل
صحتني مالها
طرتني أيام
ليلها وجمالها
فتقت جروحًا في حشاي
صعب اندمالها
وحبيبة كيف يا نسمة
تركت حالها
هي في خيالي، يا ليت
أنا في خيالها
ولعل الكثيرون لا يعلمون أن الشاعر والفيلسوف التجاني سعيد قد غنى له عبد الدافع عثمان قبل أن يغني له وردي، بأغنيتي قلت ارحل ومن غير ميعاد، حيث غنى له أغنية لقاء ولحنها له برعي محمد دفع الله.
سجل عبد الدافع عثمان للإذاعة السودانية أكثر من 65 أغنية، وهناك عدد كبير من الأغنيات لم يسجلها للإذاعة. ولابد أن نشير إلى أن عبد الدافع عثمان كان يعمل موظفًا بالإذاعة السودانية بتوصية من اللواء طلعت فريد للصاغ التاج حمد، مراقب الإذاعة آنذاك، وظل في هذه الوظيفة إلى أن تقاعد للمعاش.
شعراء غنى لهم عبد الدافع عثمان:
مبارك المغربي: اعتذار، مرت الأيام، لحن الكروان، عيد الفداء، يا ملاكي، رائع، توحيش رمضان، هل نوروا.
جعفر فضل المولي: جاوب سؤالي، جيب لي حبيب، حبيب فؤادي، فرحة قلبي، هجران. محمد عل أبو قطاطي: حبك شغلني، طبول النصر.
محمد أحمد التجاني: العيد السعيد، رمضان كريم. السر محمد عوض: افرح يا مزارع، عش السعادة، نور عيوني، فرحة العيد. إسماعيل خورشيد: أيام الحب، التعاون، الزراعة. ذو النون بشري: حلفتك، أنشودة الحقب. إسماعيل حسن: خائف، عاد المجد، عيد الثورة.
قمر الدين المبارك: الحب يا ناس، الحرية. علي محمد التقاري: أسحار.
طه سيد أحمد: أحلام الشباب.
إبراهيم عابدين: الآلام. إسحق الحلنقي: بترولنا سلاح. كباشي حسونة: بهجة العيد. عبد الله النجيب: تحية شعب. عمر البنا.
أحمد علي باكثير: البحيرة.
عبد الله شرفي: كم هوينا.
تاح السر عباس: حمامات السلام.
خليفة الصادق: حيرة.
محمد الطيب عربي: أوحش شهر رمضان. علي حامد البدوي: عيد الميلاد. التجاني سعيد: لقاء.
أحمد حميد: كلمني. حسين عثمان منصور: رمضان.
أبرز الملحنين الذين تعامل معهم عبد الدافع عثمان:
عبد الدافع نفسه، عربي الصلحي، علي مكي، أحمد زاهر، محمد سليمان المزارع، علاء الدين حمزة، خليفة عبد الله، الفاتح كسلاوي، سيف عبد القادر، عبد المنعم عبد الكريم.
ويبقى أن نشير إلى أن عبد الدافع عثمان تزوج في أواخر الخمسينيات، وترك من الذرية: عبد المنعم، عبد العزيز، عبد العظيم، عادل، عماد، وابنته الوحيدة هدى. جعل الله البركة فيهم، ورحم والدهم رحمة واسعة، ليس بما قدم، ولكن برحمة الله الواسعة.